الشيخ محمد رشيد رضا

270

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عاملون ، وإذا كان ما يأتون من الاءة والذكر هنالك من البدع المنكرة ، وكان بعض المباحات يعد هنالك من الأمور المكروهة أو المحرمة ، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة ؟ ولو لم يرد في حظر هذه الاجتماعات في المقابر إلا حديث ابن عباس في السنن الثلاث مرفوعا بسند صحيح « لعن اللّه زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج » لكفى ولكن ذلك كله قد صار من قبيل شعائر الدين ، وآيات اليقين ، توقف له الأوقاف التي يسجلها ويحكم بصحتها قضاة الشرع الجاهلون ، ويأكل منها أدعياء العلم والعرفان الضالون المضلون ، ولقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنن أحيانا حتى لا يظن العوام انها مفروضة بالتزامها تأسيا بالرسول ( ص ) في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض ، فخلف من بعدهم خلف قصروا في الفرائض ، وتركوا السنن والشعائر ، وواظبوا على هذه البدع ، حتى أنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم خلاصة سورة الأنعام لو سميت سورة الآن بما يدل على جل ما تشتمل عليه كل سورة أو على أهمه لسميت هذه السورة سورة عقائد الاسلام أو سورة التوحيد على ما جرى عليه العلماء من التعبير عن علم العقائد بالتوحيد لأنه أساسها وأعظم أركانها ، فهي مفصلة لعقيدة التوحيد مع دلائلها وما تجب معرفته من صفات اللّه تعالى وآياته ولرد شبهات الكفار على التوحيد وما يتبع ذلك من هدم هياكل الشرك وتقويض أركانه ولاثبات الرسالة والوحي وتفنيد شبهاتهم على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والزامهم الحجة باية اللّه الكبرى وهي الآن المشتمل على الآيات الكثيرة من عقلية وعلمية ومبنية لوظائف الرسول ودعوته وهديه في الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم وللبعث والجزاء والوعد والوعيد ولأحوال المؤمنين والكافرين وأعمالهم ولأصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب - وليس فيها على طولها قصة من قصص الرسل المفصلة في السور المكية الطويلة كالاعراف من الطول ويونس وهود من المئين والطواسين من المثاني بل جميع آياتها في الألوهية والربوبية والرسالة والجزاء وأصول البر وأحوال المؤمنين