الشيخ محمد رشيد رضا
249
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحنفية ولا الجمهور في المسألة وكتاب اللّه فوق كل شئ وأما قياس عمل غير الولد على عمله فباطل ، لمخالفته للنص القطعي على كونه قياسا مع الفارق ، وقد غفل عن هذا من عودونا استدراك مثله على المتقدمين ، كشيخي الاسلام « 1 » والشوكاني « 2 » من فقهاء الحديث المستقلين . فعلم مما شرحناه أن كل ما جرت به العادة من اءة الآن والأذكار واهداء ثوابها إلى الأموات واستئجار آلاء وحبس الأوقاف على ذلك بدع غير مشروعة ومثلها ما يسمونه اسقاط الصلاة ولو كان لها أصل في الدين لما جهلها السلف ولو علموها لما أهملوا العمل بها ، وليس هذا من قبيل ما لا شك في جوازه ووقوعه في كل زمن من فتح اللّه على بعض الناس بما لم يؤثر عمن قبلهم من حكم الدين واسراره والفهم في كتابه - كما قال أمير المؤمنين علي المرتضى كرم اللّه وجهه : الا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في الآن - بل هو من العبادات العملية التي يهتم الناس بأمرها في كل زمان ولو فعلها الصحابة لتوفرت الدواعي على نقلها بالتواتر أو الاستفاضة ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي ثم إن رجوعكم في الحياة الآخرة التي بعد هذه الحياة الدنيا إلى ربكم وحده دون غيره مما عبدتم من دونه زاعمين أنهم يبونكم اليه فينبئكم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم إذ كان بعضكم يعبده وحده ، وبعضكم قد اتخذ له أندادا من خلقه ، ويتولى هو جزاءكم عليه وحده بحسب علمه وارادته القديمتين ويضل عنكم ما كنتم تزعمون من دونه ؛ فكيف تعبدون معه غيره ؟ وقد تقدم مثل هذا في سورة المائدة في سياق اختلاف الشرائع - وذكرنا نصه آنفا - وفي آل عمران في قصة عيسى ( 3 : 54 إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ومثله في البة بعد ذكر طعن اليهود والنصارى بعضهم ببعض ( 2 : 112 ) وله نظائر بعضها في الانباء بالاختلاف أو الحكم فيه وبعضها في الانباء بالعمل ومنه ما تقدم في هذه السورة ( آية 20 و 109 ) وكله إنذار بالجزاء وبيان أنه بيده تعالى وحده * * * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ هذه الآية مبينة لبعض أحوال البشر التي نعبر عنها في عرف هذا العصر بالسنن الاجتماعية وقد عطفت على ما قبلها لأنها في سياق تير التوحيد وابطال خرافات الشرك على ما سنبينه . والخلائف جمع خليفة وهو من يخلف
--> ( 1 ) أعني ابن تيمية وابن القيم ( 2 ) الشوكاني جارى الجمهور في موضع ثم عاد في موضع آخر إلى مثل ما حققناه كما سيأتي في الاستدراك