الشيخ محمد رشيد رضا

239

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تحريفه وانحراف جميع الأمم عن صراطه ، وان توحيد الألوهية الذي يخالفنا فيه المشركون مبني على توحيد الربوبية الذي هم به مؤمنون ( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وأن الجزاء عند اللّه على الاعمال مبني على عدم انتفاع أحد أو مؤاخذته بعمل غيره وأن المرجع إلى اللّه تعالى وحده ، وأن له تعالى سننا في استخلاف الأمم واختبارها بالنعم والنقم وأنه هو الذي يتولى عقاب المسيئين والرحمة للمحسنين وكل ذلك مما يهدم أساس الشرك الذي هو الاتكال على الوسطاء بين اللّه والناس في غفران ذنوبهم وقضاء حاجهم * * * قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي قل أيها الرسول الخاتم للنبيين لقومك وسائر أمة الدعوة وهم جميع البشر : انني أرشدني ربي وأوصلنى بما أوحاه إلى بفضله واختصاصه في هذه السورة وكذا غيرها إلى طريق مستقيم يصل سالكه إلى سعادة الدارين - الدنيا والآخرة - من غير عائق ولا تأخير لأنه لا عوج فيه ولا اشتباه ، كما قال في آية أخرى ( وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) وهو الذي أدعوكم إلى طلبه منه تعالى في مناجاتكم إياه : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) دِيناً قِيَماً أي ان هذا الصراط المستقيم هو الدين الذي يصلح ويقوم به أمر الناس في المعاش والمعاد فقوله ( دِيناً ) بدل من صراط مستقيم باعتبار المحل و ( قِيَماً ) صفة له أه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بكسر القاف وفتح الياء على أنه مصدر نعت به للمبالغة وكان قياسه « قوما » كعوض ولكنه أعل تبعا لفعله « قام » كالقيام وأصله القوام . وتقدم في أوائل تفسير النساء « 1 » وأواخر المائدة أنه ما يقوم ويثبت به الشيء وأه الباقون بفتح القاف وتشديد الياء بوزن ( سيد ) وقد قالوا إنه أبلغ من المستقيم بزنته وهيئته ، وهذا أبلغ بصيغته وكثرة مادته وقيل بما في الصيغة من معنى الطلب فكان المستقيم هو الذي يقتضي أن يكون الشيء قيما ، أو يجعل ذلك سهلا وتقدم في تفسير قوله تعالى ( 5 : 100 جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) ما يفيد القارئ تفصيلا فيما فسرنا به الدين القيم « 2 » مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي أعنى - أو ألزموا - ملة إبراهيم حال كونه حنيفا أي مائلا عن جميع ما سواه من الشرك والباطل والعوج والضلال مستقيما عليه ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فان الحنيفية تنافي الشرك ففيه تكذيب لهم في دعواهم أنهم على ملة إبراهيم . وقد وصف إبراهيم بالحنيف في سورة البة ( 2 : 135 وسورة آل عمران

--> ( 1 ) راجع ص 378 ج 4 تفسير ( 2 ) يراجع ص 117 ج 2 من التفسير