الشيخ محمد رشيد رضا
237
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) وهو يرجع إلى قولين أحدهما نفي كون العذاب أبديا لا نهاية له وثانيهما تفويض الامر فيه إلى حكمة اللّه تعالى وعلمه ثم قال ( الثاني ) اعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما وهو في كفارة الظهار ، وتارة جعل بدلا عن صيام أيام قلائل وذلك يدل على أن المساواة غير معتبرة ( جوابه ) أن المساواة انما يحصل بوضع الشرع وحكمه اه ونقول إن جعل الشرع العتق كفارة لذنوب متفاوتة انما هو لعنايته بتحرير الرقيق وهو لا ينافي كون كل ذنب منها له جزاء في الآخرة بقدره يشير اليه تفاوت الكفارة بالصيام ثم قال ( الثالث ) إذا أحدث في رأس انسان موضحتين وجب فيه أرشان فان رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب فالمساواة غير معتبرة ( وجوابه ) أن ذلك من باب تعبدات الشرع وتحكماته اه ونقول إن ما ذكره من القصاص في شجة الرأس الموضحة ( وهي ما كشفت العظم ) والموضحتين ليس مما ورد فيه نص الشرع بكتاب ولا سنة وتعبدنا به تعبدا وانما ورد في الحديث أرش الموضحة خمس من الإبل ، فإذا شج رجل رجلا موضحتين ثم أزال هو أو غيره الحاجز بينهما فصار كالموضحة الواحدة لا نسلم أن الحكم يتبدل فيصير الواجب أرش موضحة واحدة كما قال وإن قاله معه مائة فقيه مثله ثم قال ( الرابع ) انه يجب في مقابلة تفويت كل واحد من الأعضاء دية كاملة ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء وجبت دية واحدة وذلك يمنع القول من رعاية المماثلة ( وجوابه ) أن ذلك من باب تعبدات الشرع وتحكماته اه ونقول فيه انه هو وما قبله ليس من تعبدات الشرع وتحكماته كما زعم بادي الرأي بغير روية وذلك أن القتل يوجب القصاص لا الدية إذا كان عن تعمد إلا أن يعفو ولي الدم ويرضى بالدية . وفساد قتل الخطأ الموجب للدية دون فساد قطع اليد أو الرجل أو قلع العين تعمدا ، على أن عقوبات الدنيا لا يجب أن تكون معيارا لعقوبات الآخرة فإنها يراعى فيها من مصالح العباد ما لا محل له في الآخرة كقطع يد السارق بشرطه يراعى فيه ردع المجرمين وتخويفهم من عاقبة هذا العمل الذي يزيل أمن الناس على أموالهم ويسلب راحتهم ويكلفهم بذل مال كثير وعناء عظيم في حفظ أموالهم - وبهذا المعنى يستوي سارق الدينار أو ربع الدينار وسارق الألوف من الدنانير والجواهر ، وحسبنا هذا التنبيه هنا