الشيخ محمد رشيد رضا
229
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الانكسار الفظيع في هذا العصر . واحتل الأجانب المنتصرون عليها عاصمتها التي كانت أعظم مظاهر غرورها ( حتى كنا نعتقد أنها أكبر عقبات الحياة في سبيلها واقترحنا عليها منذ عشرين سنة استبدال عاصمة أسيوية بها ) وصرحوا بأنهم قضوا عليها القضاء الأخير المبرم الذي لا مرد له . ولا سيما وقد أمضى من أنابت عنها في مؤتمر الصلح تلك المعاهدات الناطقة بانتزاع جميع البلاد العربية وبعض البلاد التي سموها أرمنية ويونانية من سلطنتها وجعل بقية بلادها وهي الولايات التركية مع العاصمة تحت سيطرة الدول القاهرة في ماليتها وادارتها آيات اللّه في المسلمين والرجاء بعد اليأس لم يبق بعد هذا متكأ ولا ملجأ يأوى اليه الغرور . ولا منفذ يتسرب منه الامل . على ما هو المألوف والمعهود في عرف الدول . هنالك يئس الضعفاء . واستسلموا للأعداء . ولكن اللّه تعالى أراد أن يري المسلمين بعض آيات عنايته . الدالة على كفر اليائسين من روحه . وضلال القانطين من رحمته . فألهم بعض أصحاب العزائم من قواد الدولة في الأناضول أن من أراد الحياة فعليه أن يحت الموت . وأن كل ميتة يموتها الانسان ، فهي أشرف من الاستحذاء . والمهانة بالاستسلام للأعداء ، وأنه تعالى قد ينصر الفئة القليلة المعتصمة بالحق والصبر ، على الفئة الكثيرة المعتدية بالباطل والبغي ، فألفوا جمعية وطنية ووضعوا لها ميثاقا تواثقوا على أن يقاتلوا في سبيله إلى أن يطهروا جميع البلاد التركية من الاحتلال الأجنبي فتكون مستقلة خالصة لأهلها . وقد كانت جيوش الاحتلال في بلادهم مؤلفة من الانكليز والفرنسيس والطليان واليونان فأقدموا على مقاومة هذه الدول الظافرة بفئة قليلة من جند الأناضول وحده قد أنهكته الحرب بضع عشرة سنة متوالية ، فان ما بقي من بلاد الرومللي تركيا على رأيهم قد حيل بينهم وبينه بالآستانة التي نزع سلاحها واحتلتها هذه الدول برا وبحرا . وقد كان من آيات اللّه وحججه على اليائسين أن كان الفلج والظفر لهذه الفئة القليلة من بقايا الجيش العثماني الكبير المؤلف من جميع الشعوب العثمانية الذي فشل مع أعظم جيش وجد على ظهر هذه الأرض قوة وسلاحا ونظاما وهو في أوج انتصاره - أعنى الجيش الألماني - ذلك بأن الجيش العثماني الكبير كان يتولى أمره غلاة العصبية الطورانية . من الاتحاد بين المغرورين بما لقنوا من دسائس السياسة الاستعمارية ، وخداع