الشيخ محمد رشيد رضا
216
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قال القاضي ظاهر الآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا اه ما أورده الشاطبي في ذم البدع بالأدلة النقلية من الباب الثاني ( ج 1 ) وأعاد الكلام عليها في بحث تفرق الأمة من الباب السادس ( ج 3 ) فقال ان لفظ الدين فيها يشمل العقائد وغيرها . وأقول ان ما نقله عن القاضي من عموم الآية صحيح وهي أعم مما قال فمجموع الاخبار والآثار الواردة في تفسيرها تدل على شمولها للتفرق في أصول الدين وفروعه وحكومته وتولي أهله بعضهم بعضا ، فعصبية المذاهب الكلامية والفقهية كلها داخلة في ذلك كعصبية الخلافة والملك والعصبية الجنسية التي تفرق بين العربي والتركي والفارسي والهندي والملاوي الخ بحيث يعادي المسلمون بعضهم بعضا ويقاتل بعضهم بعضا كما قالت أم المؤمنين في الثورة على عثمان وقد خرج بعضهم ان ذلك كان يوم مقتله كما رواه عبد بن حميد في تفسيره عن الحسن قال : رأيت يوم قتل عثمان ذراع امرأة من أزواج رسول اللّه ( ص ) قد أخرجت من بين الحائط والستر وهي تنادي : ألا ان اللّه ورسوله بريئان من الذين فارقوا دينهم فكانوا شيعا . والظاهر أن الرواية واحدة هذا وان اءة فرقوا وحدها لا تدل على أن كل تفرق في الدين مفارقة له وردة عنه كما تدل على ذلك اءة فارقوا فالظاهر أن بين التفريق والمفارقة عموما وخصوصا من وجه ولكن اللّه تعالى يقول في سورة الروم ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) وفيها الاءتان أيضا وقد قال المفسرون ان قوله تعالى « مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ » بدل من قوله « مِنَ الْمُشْرِكِينَ » وجملة القول في تفسير الجملة ان المراد بالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا أهل الكتاب والمراد بجعل الرسول ( ص ) بريئا منهم تحذير أمته من مثل فعلهم ليعلم أن من فعل فعلهم من هذه الأمة فالرسول ( ص ) بريء منهم بالأولى لا كما يزعم بعض الجاهلين المضلين من أن ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكفار وأفعالهم خاص بهم فإذا تلبس به المسلمون لا يكون حكمهم فيه كحكم من قبلهم ، كأن اللّه تبارك وتعالى أباح للمسلمين الشرك والكفر والنفاق والبدع والضلالات ، وضمن لهم جنته ورضوانه بمجرد انتسابهم إلى الاسلام ،