الشيخ محمد رشيد رضا
206
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
به أمور البشر وشؤون الاجتماع وهدى كامل لمن تدبره وتلاه حق تلاوته ، فإنه يجذبه ببيانه وبلاغته إلى الحق الذي ره وإلى عمل الخير والصلاح الذي بين فوائده ومنافعه ، ورحمة عامة للبشر الذين تنتشر فيهم هدايته . وتنفذ فيهم شريعته . حتى الخاضعين لاحكامها من غير المؤمنين به فإنهم يكونون آمنين في ظلها على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم . أحرارا في عقائدهم وعباداتهم مساوين للمؤمنين بها في حقوقهم ومعاملاتهم . عائشين في وسط خال من الفواحش والمنكرات . التي تفسد الاخلاق وتولد الأمراض . وأما المؤمنون به فهو رحمة لهم في الدنيا والآخرة جميعا هكذا كان وهكذا يكون . وانما أنزلت هذه الآية في هذه السورة والمؤمنون قليلون مضطهدون . والجماهير مكذبون . والرؤساء يصدون عن الكتاب ويصدفون فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها ؟ الاستفهام هنا انكاري أي وإذا كانت آيات اللّه مشتملة على ما ذكر من البينة الكاملة والهداية الشاملة والرحمة الخاصة والعامة . فلا أحد أظلم ممن كذب بها وأعرض عنها ولم يكتف بصدوفه عنها . وحرمان نفسه منها . بل صدف الناس أي صرفهم وردهم أيضا كما كان يفعل كبراء مجرمي يش بمكة في أثناء نزول هذه السورة : كانوا يصدفون العرب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويحولون بينه وبينهم لئلا يسمعوا منه الآن . فينجذبوا إلى الايمان . كما قال ( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) وتقدم في أوائل هذه السورة . فصدف بمعنى صد واستعمل مثله لازما ومتعديا وفي معناهما الصرف والصدع ولا مانع عندي من استعمال صدف هنا لازما معتديا كما كانت حال أولئك الكبراء من يش وسائر قبائل العرب الذين اقتدوا بهم في صد الناس عن سماع الآن ومنع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من تبليغ الدعوة . وهذا أب من استعمال المشترك في معنيين أو أكثر من معانيه إذا كانت العبارة تحتمل ذلك - ان لم يعد منه . ومن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بهذا الشرط - وقد قال بهما ابن جرير والأصوليون من الشافعية . على أن بين اللازم والمتعدي تلازما في هذا المقام فان الصاد لغيره عن شيء يكرهه ويعادي الداعي اليه والقائم به ويكون هو أشد صدودا واعراضا عنه . وانما ينهى عن الشيء ويصد عنه غيره من يحبه ويأخذ به إذا كان مرائيا أو خادعا لمن ينهاه ويصرفه عنه كالوعاظ المرائين . والتجار