الشيخ محمد رشيد رضا
202
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولم يبين وجهه ، وانما رجح ان « ثم » لعطف الخبر على الخبر أي لا لعطف الانشاء على الانشاء كما جعلها ابن جرير . وفيه أن عطف الخبر بثم يراعى فيه الترتيب كما يراعى في عطف الانشاء وعطف المفرد ولكن الترتيب قد يكون بحسب الزمان وقد يكون بحسب الذكر والانتقال من شيء إلى آخر كما قالوه في تفسير قوله تعالى ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ) والبيت الذي ذكره فيه ترتيب لتسلسل السيادة في بيت الممدوح بطريق الترقي بكونها كانت قبله في الأب ثم قبله في الجد . وفيه أيضا أن جملة « آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » فعلية وجملة « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً » فيها اءتان فهي جملة اسمية على إحداهما وهي اءة من كسر همزة « ان » وانشائية على الأخرى وهي اءة من فتحها كما تقدم فكيف جعل ابن كثير عطف الجملة الفعلية عليها هو الصواب الذي لا مجال للنظر في صحته وفصاحته اللائقة بالتنزيل وجزم بأن عطف الجملة الانشائية على مثلها فيه نظر مستغن عن البيان والتأويل ؟ والانصاف أنه ليس في قول ابن جرير وقفة لصاحب الذوق السليم الا تقدير كلمة « قل » ولكن ينته ظاهرة . وإن أحسن ما قاله ابن كثير هو التذكير بما تكرر في الآن من الان بينه وبين التوراة لما بينهما من التشابه في كون كل منهما شريعة كاملة ، والإنجيل والزبور ليسا كذلك . بل أكثر الأول عظات وأمثال ، وأكثر الثاني ثناءه مناجاة ومن التشابه بين الآن والتوراة أن هذه الوصايا التسع أو العشر في الآيات الثلاث ونظيرها في سورة الإسراء كانت من أول ما نزل بمكة قبل تفصيل كل شيء من أحكام العبادات والمعاملات في السور المدنية ، كما أن الوصايا العشر المشهورة كانت أول ما نزل على موسى ( ع م ) من أصول الدين قبل تفصيل سائر الأحكام المدنية ووصايا الآن أجمع للمعاني فهي تبلغ العشرات إذا فصلت ، وقد روي عن كعب الأحبار أن وصايا سورة الأنعام هنا عين وصايا التوراة والصواب ما قلناه آنفا ونحن نذكر نص وصايا التوراة من الفصل العشرين من سفر الخروج ليعرف به صحة قولنا وغش كعب للمسلمين وهو : « أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ( 1 ) لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ( 2 ) لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق ، ولا ما في الأرض من تحت ، ولا ما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء