الشيخ محمد رشيد رضا

198

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » وهذه بقوله تعالى « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » لان القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وبان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق ( غير ) مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها ، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم اللّه تعالى بذلك لعلهم يذكرون ان عرض لهم نسيان ، قاله القطب الرازي ثم قال : فان قلت احسان الوالدين من قبيل الثاني أيضا فكيف ذكر من الأول قلت أعظم النعم على الانسان نعمة اللّه تعالى ويتلوه نعمة الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين تنبيها على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر وقال الامام ( الرازي ) السبب في ختم كل آية بما ختمت أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ظاهرة جلية فوجب تعلقها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر انتهى ( قال الآلوسي ) ويمكن أن يقال إن أكثر التكليفات الأول أدي بصيغة النهي وهو في معنى المنع والمرء حريص على ما منع فناسب أن يعلل الايصاء بذلك بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس وهذا بخلاف التكليفات الاخر فان أكثرها قد أدي بصيغة الامر وليس المنع فيه ظاهرا كما في النهي فيكون تأكيدات الطلب والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر اه واننا نختم هذه الوصايا العظيمة الشأن بأحاديث وردت فيها نقلا عن الدر المنثور أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن ابن مسعود قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد الذي عليه خاتمه فليأ هؤلاء الآيات ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ - إلى قوله - لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ - ثم تلا ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ