الشيخ محمد رشيد رضا

196

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيها لا في الحق لذاته والاستعانة على استبانته وفهم نصوصه ببحث أي عالم من العلماء بغير تعصب ولا تشيع ، والحق لا يمكن أن يكون وقفا محبوسا من عند اللّه تعالى على عالم معين وعلى أتباعه ، فكل باحث من العلماء يخطئ ويصيب ، وهذا أمر قطعي ثابت بالعقل والنقل والاجماع ولكن جميع المتعصبين للمذاهب الملتزمين لها مخالفون له ، ومن كان كذلك لم يكن متبعا لصراط اللّه الذي هو الحق الواحد وهذا ظاهر فيهم فإنهم إذا دعوا إلى كتاب اللّه وإلى ما صح من سنة رسوله أعرضوا عنهما وآثروا عليهما قول أي مؤلف لكتاب منتم إلى مذاهبهم ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه هو الحق الموحد لأهل الحق الجامع لكلمتهم ، وتوحيدهم وجمع كلمتهم هو الحافظ للحق المؤيد له والمعز لأهله - كان التفرق فيه بما ذكر سببا لضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم - فبهذا التفرق حل بأتباع الأنبياء السابقين ما حل من التخاذل والتقاتل والضعف وضياع الحق ، وقد اتبع المسلمون سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى حل بهم من الضعف والهوان ما يتألمون منه ويتململون ، ولم يردعهم عن ذلك ما ورد في التحذير منه في كتاب اللّه تعالى وأحاديث رسوله ( ص ) وآثار الصحابة والتابعين ، ولا ما حل بهم من البلاء المبين ، ولم يبق بينهم وبين من قبلهم فرق إلا في أمرين ( أحدهما ) حفظ الآن من أدنى تغيير وأقل تحريف ، وضبط السنة النبوية بما لم يسبق له في أمة من الأمم نظير ( وثانيهما ) وجود طائفة من أهل الحق في كل زمان تدعو إلى صراط اللّه وحده ، وتتبعه بالعمل والحجة ، كما بشر به صلّى اللّه عليه وسلم . ولكن هؤلاء قد قلوا في الون الأخيرة ، وكل صلاح واصلاح في الاسلام متوقف على كثرتهم ، فنسأله تعالى أن يكثرهم في هذا الزمان ويجعلنا من أئمتهم ، فقد بلغ السيل الزبى . روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله ( فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) وقوله ( أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) ونحو هذا في الآن قال : أمر اللّه المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم انه انما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات وقد سبق لنا سبح طويل في بحر هذه المسألة يراجع في مواضعه كتفسير ( 3 : 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) وما بعدها في أوائل الجزء