الشيخ محمد رشيد رضا

194

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمعنى ذلكم المتلو عليكم في هذه الآية - من الأوامر والنواهي البعيدة مدى الفائدة ومسافة المنفعة لمن قام بها - وصاكم اللّه به في كتابه رجاء أن تذكروا في أنفسكم ما فيها من الصلاح لكم فيحملكم ذلك على العمل بها أو رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصى الذي أمر اللّه به بمثل قوله ( وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) ولكل من الذكر النفسي واللساني وجه هنا ولا مانع من الجمع بينهما على مذهب الشافعية وابن جرير المختار عندنا - وكذا الجمع بينهما وبين معاني التذكر في الاءة الأخرى ، والمعنى على هذه الاءة وصاكم به رجاء أن يتكلف ذكر هذه الوصايا وما فيها من المصالح والمنافع من كان كثير النسيان والغفلة أو كثير الشواغل الدنيوية - أو رجاء أن يتذكرها المرة بعد المرة من أراد الانتفاع بها بتلاوة آياتها في الصلاة وغيرها وبغير ذلك - أو رجاء أن يتعظ بها من سمعها وأها أو ذكرها أو ذكر بها ، وبعض هذه الوجوه عام يطلب من كل مسلم وبعضها خاص * * * ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) أي والعاشر مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم هو أن هذا الذي أدعوكم اليه من الدين القويم والشرع الحنيفي العذب المورد السائغ المشرب بما تلوته عليكم من هذه السورة المشتملة على هذه الوصايا التي لا يكابر ذو مسكة من عقل في حسنها وفضلها - أو - ان هذا الآن الذي أدعوكم اليه وأدعوكم به إلى ما يحييكم : هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة اللّه تعالى ونيل سعادة الدنيا والآخرة - أشير اليه مستقيما ظاهر الاستقامة لا يضل سالكه ، ولا يهتدي تاركه ، فاتبعوه وحده ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه وهي كثيرة فتتفرق بكم عن سبيله بحيث يذهب كل منكم في سبيل ضلالة منها ينتهي بها إلى الهلكة ، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال ، وليس أمام تارك النور إلا الظلمات . وقد أضيف الصراط بهذا المعنى إلى اللّه تعالى إذ هو الذي شرعه وإلى الدعاة اليه والسالكين له من النبيين وغيرهم في سورة الفاتحة . والظاهر أن اضافته هنا إلى النبي ( ص ) لأنه هو المخاطب للناس بهذه الوصية وفعلها مسند اليه تعالى بضمير الغيبة . وقد جمع في هذه الوصية الجامعة بين الامر بالحق والنهي عن مقابله وهو الباطل . أحمزة والكسائي ( وان هذا صراطي ) بكسر همزة إن والباقون بفتحها ، فأما كسرها فعلى ان الكلام مستأنف في بيان وصية هي أم الوصايا