الشيخ محمد رشيد رضا
192
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم » رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعا بسند فيه راو ضعيف وقال إنه روي موقوفا بسند صحيح وروي غيره ما يؤيده ( وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) أي والثامن مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم هو أن تعدلوا في القول إذا قلتم قولا في شهادة أو حكم على أحد ولو كان المقول في حقه ذلك القول صاحب أبة منكم ؛ فالعدل واجب في الأقوال كما أنه واجب في الافعال كالوزن والكيل لأنه هو الذي تصلح به شؤون الناس فهو ركن العمران وأساس الملك وقطب رحى النظام للبشر في جميع أمورهم الاجتماعية ، فلا يجوز لمؤمن أن يجابي فيه أحدا لابته ولا لغير ذلك ، وقد فصل اللّه تعالى هذا الامر الموجز بآيتين مدنيتين أولاهما قوله ( 4 : 134 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) الخ والثانية قوله ( 5 : 8 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) الخ فيراجع تفسيرهما في أواخر الجزء الخامس ومنتصف الجزء السادس ( ص 273 ) من التفسير . ( وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) أي والتاسع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن توفوا بعهد اللّه دون ما خالفه ، وهو يشمل ما عهده اللّه تعالى إلى الناس على ألسنة رسله وبما أتاهم من العقل والوجدان والفطرة السليمة وما يعاهده الناس عليه ، وما يعاهد عليه بعضهم بعضا في الحق موافقا للشرع قال تعالى ( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) وقال ( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ الا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) وقال أيضا وهو من الثاني ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) وقال ( أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) وقال في صفات المؤمنين ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ) فكل ما وصى اللّه به وشرعه للناس فهو من عهده إليهم . ومن آمن برسول من رسله فقد عاهد اللّه بالايمان به أن يمتثل أمره ونهيه . وما يلتزمه الانسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد ربه عليه كما قال في بعض المنافقين ( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ) الخ وكذلك من عاهد الامام وبايعه على الطاعة في المعروف . أو عاهد غيره على القيام بعمل مشروع . والسلطان يعاهد الدول - فكل ذلك مما يجب الوفاء به إذا لم يكن معصية ولكن لا يعد من عهد اللّه شيء من ذلك الا إذا عقد باسمه أو بالحلف به وكذا تنفيذ شرعه ومن نكت البلاغة هنا تقديم معمول الفعل « أَوْفُوا » عليه وهو يدل