الشيخ محمد رشيد رضا

181

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذين ميزناهم عن أهل السنة في قوله تعالى ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا - إلى قوله - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) وتتمة الآية رد صراح على طائفة الاعتزال القائلين بأن اللّه تعالى شاء الهداية منهم أجمعين فلم تقع من أكثرهم ، ووجه الرد أن « لو » إذا دخلت على فعل مثبت نفته فيقتضي ذلك ان اللّه تعالى لما قال « فَلَوْ شاءَ » لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم ولو شاءها لوقعت فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحل عقدهم ، فإذا ثبت اشتمال الآية على رد عقيدة الطائفتين المذكورتين المجبرة في أولها والمعتزلة في آخرها فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة منطبقة عليها فان أولها كما بينا يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان ، وآخرها يثبت نفوذ مشيئة اللّه في العبد وان جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية خيرا أو غيره ، وذلك عين عقيدتهم . فإنهم كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة يسلبون تأثيرهما ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجته ، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره ويثبتون نفوذ مشيئة اللّه أيضا وقدرته في أفعال عباده ، فهم كما رأيت تبع للكتاب العزيز يثبتون ما أثبت وينفون ما نفى ، مؤيدون بالعقل والنقل واللّه الموفق . اه . ونقول إنه قد أجاد إلا في زعمه أن مذهب أهل السنة أن قدرة العبد لا تأثير لها فهذا مذهب الأشعرية أو أكثرهم ومذهب أهل الأثر وهم أئمة السنة وبعض محققي الأشاعرة كامام الحرمين أن قدرة العبد مؤثرة في عمله كتأثير سائر الأسباب في المسببات بمشيئة اللّه الذي ربط بعضها ببعض كما هو ثابت بالحس والوجدان والآن وأطال المحقق ابن القيم في اثباته في شفاء العليل وغيره * * * ثم إنه تعالى أمر رسوله ( ص ) بان يطالب مشركي قومه باحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات تحريم اللّه تعالى عليهم ما ادعوه من المحرمات بعد أن نفى عنهم العلم ، وسجل عليهم اتباع الحزر والخرص ليظهر لهم أنهم ليسوا على شيء يعتد به من العلم الاستدلالي ولا الشهودي في أنفسهم ، ولا على شيء من النقل عن ذي علم شهودي فقال له قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا أي أحضروا شهداءكم الذين يخبرون عن علم شهودي أن اللّه حرم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه - وهو طلب تعجيز لأنه ما ثم شهداء يشهدون فهو كالاستفهام عن العلم بذلك قبله ، وكقوله من قبل ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ) فراجع تفسيره ، ولم يقل هاتوا شهداء ليحضروا أي