الشيخ محمد رشيد رضا

178

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دينكم ، فلله وحده أعلى درجات العلم ، بما بعثني به من محجة دينه القويم ، وصراطه المستقيم ، وهو الحجة البالغة ما أراد من إحقاق الحق وازهاق الباطل ، وهي ما بينه في هذه السورة وغيرها من الآيات البينات على أصول العقائد وقواعد الشرائع وموافقتها لحكم العقول السليمة والفطر الكاملة ، وسنن اللّه في الاجتماع البشري وتكميلها للنظام العام ، الذي يعرج عليه الانسان في مراقي الكمال ، ولكن لا يكاد يهتدي بهذه الآيات المنبثة في الأكوان ، المبينة في آية اللّه الكبرى وهي الآن ، إلا المستعد للهداية وهو المحب للحق الحريص على طلبه ، الذي يستمع القول فيتبع أحسنه ، دون من أطفأ باتباع الهوى نور فطرته ، أو استخدم عقله لكبريائه وشهوته ، المعرض عن النظر في الآيات استكبارا عنها ، أو حسدا للمبلغ الذي جاء بها ، أو جمودا على تقليد الآباء ، واتباع الرؤساء ، فإنما الحجة علم وبيان ، لا قهر ولا إلزام ، وما على الرسل إلا البلاغ ، والا فلو شاء هدايتكم بغير هذه الطريقة التي أقام أمر البشر عليها وهي التعليم والارشاد ، بطريق النظر والاستدلال ، وما ثم إلا الخلق والتكوين أو القهر والالزام - لهداكم أجمعين بجعلكم كذلك بالفطرة ، كما خلق الملائكة مفطورين على الحق والخير وطاعة الرب ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) أو بخلق الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا إرادة كجريان دمائكم في أبدانكم ، وهضم معدكم لطعامكم ، أو مع الشعور بأنها ليست من أفعالكم . وحينئذ لا تكونون من نوع الانسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بأن يخلق مستعدا لاتباع الحق والباطل ، وعمل الخير والشر ، وكونه يرجح بعض ما هو مستعد له على بعض بالاختيار واختياره لاحد النجدين على الاخر بمشيئته لا ينفي مشيئة اللّه تعالى ولا يعارضها فإنه تعالى هو الذي شاء ان يجعله فاعلا باختياره ، كما بيناه من قبل في مواضع . ومثل هذه الآية قوله تعالى من هذه السورة ( 6 : 106 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا ) وقوله منها أيضا ( 36 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) وأيضا ( 39 مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وقوله ( 5 : 51 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) وقوله ( 11 : 118 وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) وقوله ( 10 : 99 وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً . أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) فالآيات في هذا المعنى كلها بيان لسنة اللّه في خلق الانسان كما بيناه في تفسير ما تقدم منها وفي مواضع أخرى وهي حجة على المجبرة والقدرية جميعا لا لهما وقد تمارى المعتزلة والأشعرية في تطبيق هذه الآيات على مذاهبهما في