الشيخ محمد رشيد رضا
16
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
خرصا في ترجيح بعضها على بعض كما يخرص أهل الحرث ثمرات النخيل والأعناب وغيرها ويقدرون ما تأتي به من التمر والزبيب ، فلا شيء منها مبني على علم صحيح ولا ثابت بدلائل تنتهي إلى اليقين وهذا الحكم القطعي بضلال أكثر أهل الأرض ظاهر بما بينه به من اتباع الظن والخرص ولا سيما في ذلك العصر تؤيده تواريخ الأمم كلها فقد اتفقت على أن أهل الكتاب كانوا قد تركوا هداية أنبيائهم وضلوا ضلالا بعيدا وكذلك أمم الوثنية التي كانت أبعد عهدا عن هداية رسلهم ، وهذا من اعلام نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أمي لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا شيئا يسيرا من شؤون المجاورين لبلاد العرب خاصة * * * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إن ربك الذي رباك وعلمك أيها الرسول بما أنزل إليك الكتاب مفصلا وبين لك فيه ما لم تكن تعلم من الحق ومن شؤون الخلق هو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن يضل عن سبيله القويم وهو أعلم بالمهتدين السالكين صراطه المستقيم ، إذ الضلال ما يصد عن سبيله ويبعد السالك عنه ، والاهتداء ما يجذبه اليه ويبه منه ، فكيف لا يكون أعلم به من نفسه وأصدق في الحكم عليه من حسه ، وهو فوق ذلك محيط بكل شيء علما ؟ ومن مباحث اللفظ أن البصريين والكوفيين من النحاة اضطربوا في اعراب قوله تعالى « أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ » لمجيئه على خلاف المعهود الشائع من اقتران معمول اسم التفضيل بالباء كقوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة القلم ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) فكان أبعد اعرابهم له عن التكلف أن الباء حذفت منه اكتفاء باقترانها بمقابله المتصل به وهو قوله « أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » ومخالفة المعهود في أساليب اللغة لا يكاد يقع في كلام بلغاء أهلها إلا لنكتة يقصدونها به وكلام رب البلغاء ومنطقهم باللغات أولى بذلك . والنكت منها لفظي كالاختصار والتفنن في الأسلوب ومنها معنوي وهو أعلى . وقد يكون من نكت مخالفة المعهود الكثير تنبيه الذهن للتأمل كمن يريد إيقاف سالك الطريق في مكان منه لفائدة له في الوقوف كما أرى اللّه تعالى نبيه موسى النار في الشجرة بجانب الطور فحمل أهله