الشيخ محمد رشيد رضا

146

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي تفسير سورة نوح من صحيح البخاري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في تفسير الأوثان التي كانت في قوم نوح ودوسواع ويغوث ويعوق ونسر - أنها كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ، وأخرج عبد بن حميد عن محمد ابن كعب فيهم قال : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليها ، فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس ان الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونها ، فعبدوها . ومعنى قول إبليس وحيه ووسوسته . وكانت العبادة لهم توسلا بهم واستشفاعا وتبا إلى اللّه وذبائح تذبح لهم منذورة أو غير منذورة وطوافا بتماثيلهم ونحو ذلك مما يفعل الآن كثير من أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين شبرا بشبر وذراعا بذراع مصداقا للحديث المتفق عليه فان المسلمين لا يتخذون للأنبياء والصالحين صورا ولا تماثيل يعظمونها ويطوفون بها ويذبحون عندها وانما استبدلوا القبور المشيدة وما يضعونه عليها بالتماثيل ، وقد تساهل بعض مقلدة الفقهاء في انكار هذه الاعمال بل قالوا أقوالا جرأت الناس على استحسان هذه البدع كقول بعضهم ان قبور الصالحين تزار للتبرك بها ، وإجازة بعضهم تشريفها بالبناء وكسوتها كالكعبة واتخاذها مساجد خلافا للأحاديث الصحيحة وتشريعا شركيا لترويج الشرك وقد ذكر السهيلي في التعريف أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا يتبركون بدعائهم وذكر غيره أنهم صوروهم ليتذكروا بصورهم وتماثيلهم ما كان من عبادتهم للّه تعالى فيقتدوا بهم . وهكذا فعل النصارى بصور الأنبياء والصالحين وما زال بعضهم إلى الآن يقولون انهم لا يعبدون هذه الصور التي يتخذونها في كنائسهم بل يريدون بوضعها فيها تذكر أصحابها للاقتداء بهم وتعظيمهم بالتبرك بهذه الذكرى ، ولا أزال أذكر كلمة راهب قالها لي في كنيسة دير البلمند في جبل لبنان وهي أول كنيسة دخلتها لأجل التفرج والاختبار وكنت غلاما يافعا وكان ذلك الراهب يخبرني أنا ومن معي بما في الكنيسة وبأسماء أصحاب الصور التي في جدرها وقد قال ابن مرة انهم لا يعبدونها ولكنها « تذكار » وكان يكرر كلمة « تذكار » ولعله كان يجهل كما يجهل كثير من المسلمين حقيقة معنى العبادة فيظن أن تعظيم تلك الصور ووضعها في الكنائس ودعاءها ونداءها والنذر لها والتوسل والاستشفاع بها إلى اللّه