الشيخ محمد رشيد رضا
144
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بِها . قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) والاستفهام الانكاري هنا يتضمن التهكم بهم إذ كانوا بعدم اتباع أحد من رسل اللّه كالمدعين على انكارهم للرسالة بأنهم يشاهدون اللّه ويتلقون منه أحكام الحلال والحرام ، وما استبعدته أنظارهم السقيمة من الوحي أب من هذا الذي يقعون فيه بانكارهم له بمثل قولهم ( ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) والا لزمهم الافتراء على اللّه تعالى لاضلال عباده وهو أشد الظلم الذي يجنيه الانسان على نفسه وغيره ولذلك قال تعالى تعقيبا على ما تقدم ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي وإذا كان الامر كذلك وقامت عليكم الحجة به فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بتحريم ما لم يشرعه وشرع ما لم يشرعه ليصل الناس به بحملهم على اتباعه فيه مع نسبته إلى اللّه تعالى بغير علم ما يكون حجة له فيه . والاستفهام انكاري والمعنى لا أحد أظلم منكم لأنكم من هؤلاء المفترين على اللّه بقصد الاضلال عن جهل عام تام ، فالعلم المنفي يشمل ما يؤثر أو يعقل ويستنبط كالنظر العقلي والتجارب العملية وطرق درء المفاسد والشرور والمضار وتقدير المصالح والمنافع وعمل البر والخير ، كما يدل عليه تنكيره في حيز النفي المستفاد من كلمة غير ، فان قيل ما حكمه نفي كل نوع من أنواع العلم في أمر التشريع الديني الذي ليس له مصدر غير وحي اللّه ورسله ؟ قلنا هي تسجيل الجهل العام المطلق عليهم عامه ، وسوء النية على مفترى ذلك لهم خاصة بأنه ليس له أثارة من علم ، ولا قصد إلى شيء من الهدى إلى حق أو خير ، وتسجيل الغباوة وعمى البصيرة على متبعيه بمحض التقليد من غير عقل ولا هدى وقد وجد في البشر أناس آخرون تفكروا وبحثوا في العلم الإلهي وما يجب أن يشكر اللّه تعالى به تعبدا له من اتباع الحق والعدل وفعل الخيرات التي يدل عليها العقل ، وفيما ينبغي اجتنابه من طعام وشراب ضار بالبدن أو العقل - وهم الحكماء - فأصابوا في بعض ما هدتهم اليه عقولهم وتجاربهم وأخطأوا في بعض ، فكانوا خير الناس لأنفسهم وللناس في فترات الرسل التي فقدت فيها هداية الوحي ، وهم المشار إليهم بقوله تعالى ( 3 : 21 إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) فالذين يأمرون بالقسط وهو العدل والاعتدال في الاخلاق والآراء والاعمال وبشكر المنعم هم حكماء البشر وعقلاؤهم وقد وضع قصي للعرب سننا حسنة لسقاية الحاج ورفادتهم واطعامهم وللشورى في الخطوب ومن أعمال يش