الشيخ محمد رشيد رضا
12
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العرب كانت تسمى القصيدة من الشعر كلمة لان القصيدة تقال في غرض واحد وإن اشتملت على معاني كثيرة ، وتسمى جملة « لا إله إلا اللّه » كلمة التوحيد ، ومن هنا قال بعض المفسرين ان المراد بالكلمة في هذه الآية الآن ، وهو جائز لغة ولكنه غير ظاهر معنى ، وانما الظاهر المتبادر بينة السياق أن الكلمة هنا من قبيل قوله تعالى 11 : 118 وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) وقوله ( 7 : 136 وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ) الآية فمعنى الجملة : وتمت كلمة ربك أيها الرسول فيما وعدك به من نصرك وما أوعد به هؤلاء المستهزئين بالآن المقترحين للآيات وأمثالهم وأقتالهم من معاندي قومك المستكبرين عن الايمان بك من خذلانهم وهلاكهم ، كما تمت من قبل في الرسل وأعدائهم من قبلك ، وهي قوله تعالى ( 37 : 171 وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ 172 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ 173 وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) وما في معناها من عام كقوله تعالى ( 40 : 51 إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) وخاص كقوله لرسوله عليه الصلاة والسّلام ( 15 : 95 إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) اما تمامها صدقا فهو وقوع مضمونها من حيث كونها خيرا ، وأما تمامها عدلا فمن حيث كونها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون ، وللمؤمنين المهتدين بما يستحقون ، وان كانوا بمقتضى الفضل يزادون ، وإذا كانت هذه الآية نزلت بمكة قبل نصر اللّه تعالى نبيه على طغاة قومه في بدر وغيرها فالفعل الماضي فيها « تمت » بمعنى المستقبل فهو لتحقق وقوعه كأنه وقع ، وهذا من ضروب المبالغة البليغة . وفيه وجه آخر وهو أن المراد بالخبر هنا لازمه وهو تأكيد ما تضمنته هذه الآيات من تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن كفر هؤلاء المعاندين وإيذائهم له ولأصحابه وإيئاس الطامعين من المسلمين في إيمانهم بايتائهم الآيات المقترحة كأنه يقول : كما أن سنتي مضت بأن يكون للرسل أعداء من شياطين الانس والجن قد تمت كلمتي بنصر المرسلين ، وخذلان هؤلاء الأعداء الطغاة المفسدين ، ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) كما أنه لا تبديل لسننه ( 33 : 62 سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) والتبديل التغيير بالبدل ، وهذه الجملة