الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على أن السورة مكية ولم يصح استثناء هذه الآية منها الا أن يقال : مرادهم ان الاطلاق فيها قيد بعد الهجرة بالمقادير التي بينتها الزكاة كأمثالها من الآيات المكية التي ورد فيها الامر بالزكاة ، وقد صرح بعضهم بان الزكاة المقيدة المعروفة نسخت فرضية الزكاة المطلقة والنسخ عند السلف أعم من النسخ في عرف الأصوليين فيدخل فيه تخصيص العام أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) قال نسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عطية العوفي فيها قال كانوا إذا حصد وإذا درس وإذا غربل أعطوا منه شيئا فنسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن سفيان قال سألت السدي عن هذه الآية قال هي مكية نسخها العشر ونصف العشر . قلت له عمن ؟ قال عن العلماء . أي علماء الصحابة والتابعين وهذا هو الصواب ومعناه نسخ فرضيتها المطلقة فلم يبق بعد فرض الزكاة المحدودة الا صدقة التطوع كما هو صريح قول النبي ( ص ) للاعرابي لما سأله بعد أن أخبره بالزكاة المفروضة : هل علي غيرها ؟ قال ( ص ) « لا إلا أن تطوع » على أن الزكاة المحدودة المعينة لا يمكن أداؤها يوم الحصاد ، وما تأولوه في ذلك فهو تكلف . فان قلت أليس اطعام المعدم المضطر واجبا على من علم بحاله ؟ قلنا الكلام في الحق الواجب على الأعيان في الأموال بشروطها المعروفة ، وإغاثة المضطر من الواجبات الكفائية العارضة لا العينية الثابتة . والحصاد بفتح الحاء وكسرها مصدر حصد الزرع إذا جزه أي قطعه كما قال في الأساس أه ابن كثير ونافع وحمزة بالكسر والباقون بالفتح واستدل الرازي على زعمه ان حمل الآية على الزكاة المحدودة أصح بأنه انما يحسن ذكر قوله تعالى « وَآتُوا حَقَّهُ » إذا كان ذلك الحق معلوما قبل نزوله لئلا تبقى الآية مجملة ( قال ) وقد قال عليه الصلاة والسّلام « ليس في المال حق سوى الزكاة » فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة » اه ونقول إن الحق المراد بها كان معلوما عندهم وهو الصدقة المطلقة المعتادة التي ذكرنا بعض الروايات عن السلف فيها ، والحديث الذي ذكره رواه ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس بسند ضعيف لا يحتج به على أنه صريج في أنه ورد بعد فرض الزكاة