الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وشياطين الجن من قتل الأولاد فكأن هؤلاء الشركاء هم الذين قتلوهم ، ففائدة هذه الاءة إذا تذكير أولئك السفهاء بقبح طاعة أولئك الشركاء في أفظع الجرائم والجنايات وهو قتل الأولاد ثم علل هذا التزيين بقوله تعالى لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أي زينوا لهم هذه المنكرات ليردوهم أي يهلكوهم بالاغواء وهو افساد الفطرة ، الذي يذهب بما أودع في قلوب الوالدين من عواطف الرأفة والرحمة ، بل يقلبها إلى منتهى الوحشية والقسوة ، حتى ينحر الوالد ريحانة قلبه بمديته ، ويدفن بنته الضعيفة وهي حية بيده ، فهذا ارداء نفسي معنوي فوق الارداء الحسي وهو القتل ، وتقليل النسل : وأما لبس دينهم عليهم فالمراد بالدين فيه ما كانوا يدعونه من دين إسماعيل وملة إبراهيم عليهما السّلام ، وقد اشتبه واختلط عليهم بما ابتدعوه من هذه التقاليد الشركية حتى لم يعد يعرف الأصل الذي كان يتبع من هذه الإضافات الشركية التي لا تزال تبتدع ، فاللبس الخلط بين الشيئين أو الأشياء الذي يشتبه فيه بعضها ببعض ، وقيل إن المراد دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه ، وقيل ليوقعوهم في دين ملتبس مشتبه لا تتجلى فيه حقيقة ، ولا تخلص فيه هداية . وهذا التعليل ظاهر على القول بأن الشركاء شياطين الجن وتزيينهم وسوستهم . وأما على القول بأن الشركاء هم سدنة الآلهة فاللام للعاقبة والصيرورة لان السدنة لا تقصد الارداء لهم ولبس الدين عليهم ، كذا قيل وهو ظاهر في الارداء ، ولا يصح على اطلاقه في لبس الدين فان كثيرا من السدنة والكهنة يقصدون العبث بدين من يتبعهم وبدين لهم التذاذا بطاعتهم واستعلاء بالرياسة فيهم قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ أي ولو شاء اللّه تعالى الا يفعل الشركاء ذلك التزيين أو المشركون ذلك القتل لما فعلوه وذلك بأن يغير خلقهم وسننه الحكيمة فيهم ولكنه أخبرنا بأنه لا تبديل لخلقه ولا لسننه . أو بان يخلق الناس من أول الأمر مطبوعين على عبادة اللّه تعالى طبعا لا يستطيعون غيره كالملائكه فلا يؤثر فيهم اغواء بل لا تتوجه إليهم وسوسة لعدم استعدادهم لقبولها ، ولكنه شاء أن يخلق الناس مستعدين للتأثر بكل ما يرد على أنفسهم من المعلومات الحسية والفكرية ولاختيار ما يترجح في أنفسهم أنه خير لهم على ما يقابله ولأجل هذا يغلب على كل انسان ما رسخ في نفسه بالتعليم والاستنباط ، وتأثير المعاشرة والاختلاط ، فيكون عليه اعتماده في ترجيح بعض الاعمال على بعض ،