الشيخ محمد رشيد رضا

124

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يردوه إلى ما جعلوه للّه ، وان سبقهم الماء الذي جعلوه للّه فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن . وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه بة للّه فقال اللّه تعالى ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ) الآية . وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية : كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم اللّه معه ، وأالآية حتى بلغ ( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) أي ساء ما يقسمون لأنهم أخطأوا أولا في القسم لان اللّه تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته لا إله غيره ولا رب سواه ، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها كقوله جل وعلا ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) وقال تعالى ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ) وقال تعالى ( أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ) اه * * * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ هذا حكم آخر مما كانوا عليه من أعمال الشرك التي لا يستحسنها عقل سليم ، ولم تستند إلى شرع إلهي قويم ، أي ومثل ذلك التزيين لقسمة الابين من الحرث والانعام بين اللّه تعالى وبين آلهتهم زين لكثير من المشرين شركاؤهم قتل أولادهم . فأما الشركاء هنا فقيل هم سدنة الآلهة وخدمها ، وقيل بل هم الشياطين الذين يوسوسون لهم ما يزين ذلك في أنفسهم وانما سمي كل منهما شريكا لأنه يطاع ويدان له فيما لا يطاع به إلا اللّه تعالى ولهذا التزيين وجوه ( أحدها ) اتقاء الف الواقع أو المتوقع فالأول هو ما بينه اللّه تعالى بقوله ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) والثاني ما بينه بقوله ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) وقدم في الأول رزق الوالدين على رزق الأولاد لان الولد الصغير تابع لوالده في الرزق الحال ، وقدم في الثاني رزق الأولاد على رزق الوالدين لتعلقه بالمستقبل وكثيرا ما يعجز فيه الآباء عن كسب الرزق ويحتاجون إلى انفاق أولادهم عليهم ( والوجه الثاني ) اتقاء العار وهو خاص بوأد البنات - أي دفنهن حيات - خشية أن يكن سببا للعار إذا كبرن فهم يصورون البنت لوالدها الجبار العاتي ترتكب