الشيخ محمد رشيد رضا

120

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيه إنصاف في المقال وأدب حسن مع تضمن شدة الوعيد والوثوق بأن المنذر ( بكسر الذال ) محق والمنذر ( بفتح الذال ) مبطل اه وأقول إن غاية هذا الانذار وروحه الإحالة على المستقبل في صدق وعد اللّه لرسوله بنصره ووعيده لأعدائه بقهرهم في الدنيا إذ كان هذا شيء لا بد أن يراه جمهور المخاطبين بأعينهم فيكون حجة على صدق وعده ووعيده في أمر الآخرة إذ لا فرق بينهما في كون الاخبار بهما من الانباء بالغيب ولا في السبب الذي لأجله كانت عاقبة الرسول ومن اتبعه هي الحسنى في الدنيا والآخرة وجعل عاقبة من كفر به وناوأه هي السوءى . وقد أشار إلى هذا السبب بفاصلة الآية ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) أي لأنفسهم بالكفر بنعم اللّه واتخاذ الشركاء له في ألوهيته بالتوجه إليهم فيما يتب به اليه تعالى أو فيما لا يطلب إلا منه وهو كل ما أعيت المرء أسبابه أو كانت مجهولة عنده فيجب أن يتوجه اليه ويدعى في هذا وحده . وأما ما عرف سببه فيطلب من طريق السبب مع العلم بأن خالق الأسباب ومسخرها هو اللّه خالق كل شيء ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) - فهذا شر الظلم وأشده إفسادا للعقول والآداب والاعمال - فيلزمه إذا سائر أنواع الظلم الحقيقي والإضافي . وقد تقدم شرح هذا المعنى في تفسير ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) من هذه السورة . وإذا كان فلاح الظالمين لأنفسهم وللناس بالأولى منتفيا بشرع اللّه وسنته العادلة انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل الذين يقومون بحقوق اللّه وحقوق أنفسهم ومن يرتبط معهم في شؤون الحياة وهذا لا يكمل إلا لرسل اللّه وجندهم من المؤمنين الصالحين ، ألم تر كيف نصر اللّه رسوله على الظالمين من قومه أولا كأكابر مجرمي مكة المستهزئين به ؟ ثم على سائر مشركي العرب ثم نصر أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها جندا وأعظمها ملكا وأرقاها نظاما كالرومان والفرس ؟ ثم نصر من بعدهم من المسلمين من كل أمة وشعب على من ناوأهم وقاتلهم من أهل الشرق والغرب في الحروب الصليبية والفتوح العثمانية وغيرها بقدر حظهم من اتباع ما جاء به من الحق والعدل . فلما ظلموا أنفسهم وظلموا الناس وصار حظهم من هداية دينهم نحوا مما كان من حظ أهل الكتاب قبلهم من هداية رسلهم أو أقل لم يعد لهم مزية ثابتة في هذا السبب المعنوي للنصر والفلاح بل انحصر الفوز في الأسباب المادية والفنية ، وسائر الأسباب المعنوية ، كالصبر والثبات ، والعدل والنظام ، ونرى