الشيخ محمد رشيد رضا
116
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
طريقة المتكلمين من الأشعرية والمعتزلة ثم قال « واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون الا التقديس والتعظيم وسمعت الشيخ الامام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه اللّه قال سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري يقول : نظر أهل السنة على تعظيم اللّه في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ، ونظر المعتزلة على تعظيم اللّه في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي ، ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » اه أقول إنه يعنى بأهل السنة هنا الأشعرية لان كلامه في علماء النظر فالأشعرية يبالغون في قصر نظرياتهم على تعلق المشيئة حتى أنهم يجوزون تعديب المؤمنين الصالحين وتنعيم الكفار المجرمين والمعتزلة يبالغون في قصر نظرياتهم على عدل اللّه وحكمته وتنزهه عن كل ما لا يليق بكماله حتى عطلوا بعض الصفات الثابتة بالنص وأوجبوا على اللّه ما أوجبوا ، وتقدم شرح حال الفريقين ، وان علماء الأثر المحققين المتبعين للسلف أكمل من كل منهما علما وإيمانا لجمعهم - بين كل ما ثبت في الكتاب والسنة من صفات اللّه تعالى وعدم تأويل بعضها برده إلى مذهب يلتزم لطائفة معينة ، وهم أهل السنة على أكمل وجه ، أو بكل معنى الكلمة - كما يعبر كتاب هذا العصر - ثم رتب على ذلك قوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أي ان يشأ اذهابكم أيها الكافرون برسوله المعاندون له واستخلاف غيركم بعدكم يذهبكم بعذاب يهلككم به كما أهلك أمثالكم من معاندي رسله كعاد وثمود وقوم لوط ويستخلف من بعدكم ما يشاء من الافراد أو الأقوام فإنه غني عنكم وقادر على اهلاككم وانشاء قوم آخرين من ذريتكم أو ذرية غيركم أحق برحمته منكم كما قدر على انشائكم من ذرية قوم آخرين . ولكن هؤلاء الخلفاء يكونون خيرا منكم يؤمنون باللّه ورسوله ويقيمون الحق والعدل في الأرض ، وقد أهلك تعالى أولئك الذين عادوا خاتم رسله كبرا وعنادا وجحدوا بما جاء به مع استيقانهم صدقه ، واستخلف في الأرض غيرهم ممن كان كفرهم عن جهل أو تقليد لمن قبلهم لم يلبث أن ذهبت به آيات اللّه في كتابه وفي الأنفس والآفاق بارشاده فكانوا أكمل الناس ايمانا واسلاما واحسانا وهم المهاجرون والأنصار وذرياتهم الذين كانوا أعظم مظهر لرحمة اللّه للبشر بالاسلام ، حتى في حروبهم وفتوحهم كما شهد بذلك المنصفون من مؤرخي الإفرنج حتى قال بعضهم : ما عرف التاريخ