الشيخ محمد رشيد رضا
105
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لم ير الكسب معناها ، ولذلك قال ( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) ولم يقل بما كانوا يلقبون . وسنذكر عند مناسبة أخرى غرائب من خذلان الأمم في التعاون على الظلم والفساد ، مما هو مشاهد في كثير من البلاد وسره وأغربه مساعدة عبيد الشهوات للأجانب على استعباد أمتهم والسيطرة على بلادها لينالوا في ظل سيادتهم عليها مالا يطمعون بمثله في حال حريتها واستقلالها ، ثم هم يدعون انهم يخدمونها بذلك لأن سلطة الأجنبي لا مندوحة عنها بزعمهم ومشاركتهم إياه ومساعدتهم له تخفف عن الأمة ثقل وطأته وتحفظ لها بعض الحقوق والمنافع وتمهد لها السبيل إلى الترقي الذي يرجى أن تسير فيه إلى الحرية والاستقلال . وهذه الدعاوي من الخدع التي تعلموها من ساسة الأجانب قد يخدعون بها أنفسهم وهم لا يشعرون ، ومن أكبر مصائب أمتهم بهم قولهم عن اعتقاد أو غير اعتقاد انه لا بد للأمة أو لا مندوحة من سيطرة الأجانب عليها ، وانخداع كثير من العوام بهم وتصديقهم لقولهم انهم يخدمون الأمة بتخفيف الضغط الأجنبي عن كاهلها . وكيف لا ينخدع العوام بأقوال أمرائهم وقوادهم وساداتهم وكبرائهم ، وهم جاهلون بسنن الاجتماع ، وبما أرشد اليه الآن ، فان فيه من العبر ، ما يكفي لاصلاح جميع البشر ، ولكن أكثر الناس في غفلة عن الاعتبار ، وانما يعتبر أولو الابصار ، نسأله تعالى ان يكثر في أمتنا منهم فإنه لا حياة لها إلا بذلك وإلا فهي هالكة لا محالة ، وهذا جزاء مطرد بسنن اللّه تعالى في الدنيا ، وجزاء الآخرة أشد منه وأنكى ، وقد أشار اليه بقوله عز وجل * * * يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ هذا بيان لما يخطر في بال من يأ ما قبله أو يسمعه فإنه يقول في نفسه يا ليت شعري كيف يكون حال هؤلاء الظالمين الذين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا بما كانوا يكسبون من الأوزار إذا قدموا على اللّه يوم القيامة ؟ فجاء الجواب في هذه الآية بأنهم ينادون ويسئلون عن دعوة الرسل لإقامة الحجة عليهم بها فيما يترتب من الجزاء على مخالفتها ، وقد حققنا معنى المعشر في تفسير الآية 127 ( ص 65 ج 8 تفسير ) فما العهد بها ببعيد . والاستفهام هنا للتير التوبيخي وقوله ( رُسُلٌ مِنْكُمْ ) ظاهره أن كلا من الفريقين قد أرسل اللّه منهم رسلا إلى أقوامهم والجمهور على أن « تفسير الآن الحكيم » « 14 » « الجزء الثامن »