الشيخ محمد رشيد رضا
103
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
همه التمتع باللذات الجسدية ومظاهر العظمة والسلطان يتخذ لنفسه الوزراء والقواد والبطانة والحاشية من أمثاله المترفين فيقلدهم جمهور الناس في أعمالهم السيئة لان الناس كما قيل على دين ملوكهم « 1 » وبذلك يكون الفساد أغلب من الصلاح ، والفسق عن أمر اللّه وسننه في القوة والنظام أعم من الاتباع ، وبهذا هلك من هلك من الأمم باناض أهلها ، أو بتسلط الأمم القوية عليها كما قال تعالى ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) كما بيناه من قبل « 2 » فأثر كعب الأحبار مفسر للآية ولما كان الملك المترف يفسد الأمة حتى تهلك كان الملك الصالح يصلح الأمة الفاسدة باتخاذ الوزراء والقواد والبطانة والحاشية له من الصالحين المصلحين الذين يقيمون ميزان الحق والعدل ، ويكونون قدوة للناس في العفة والاعتدال والقصد ، ويأخذون على أيدي أهل الفحشاء والمنكر والبغي فيقلدهم الأكثرون ، ويرهب جانبهم الأشرار والمفسدون فتقوى دولتهم ، وتعتز أمتهم ، حتى يمكن اللّه لهم في الأرض ويجعلهم من الوارثين ( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أي الصالحون ) لتوليها والقيام بشؤونها ولو بالنسبة إلى من يعارضهم في ذلك ممن هو دونهم صلاحية ، فالصلاح كالتقوى يفسر في كل مقام بحسبه وأما الأمم العالمة بسنن الاجتماع ذات الرأي الذي يمثله الزعماء الذين تعتمد عليهم في الحل والعقد فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاؤن كما قلنا آنفا ، بل يكونون فيها تحت مراقبة أولي الامر منها . وقد وضع الاسلام هذا الأساس المتين للاصلاح بجعله أمر الأمة شورى بين أهل الحل والعقد المذكورين - وأمره الرسول نفسه بالمشاورة - وجريان الرسول ( ص ) على ذلك حتى برجوعه عن رأيه إلى رأي الأمة - وجعله الولاية العامة وهي الإمامة أو الخلافة بالانتخاب ، وقد أفصح عن ذلك الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي
--> ( 1 ) الناس على دين ملوكهم اشتهر على الألسنة انه حديث وقد ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة وتلميذه الديبع في مختصره وقال : قال شيخنا لا أعرفه حديثا ( 2 ) راجع ص 24 ج 8 تفسير . ويراجع في الموضوع لفظ « الأمم » في فهارس أجزاء التفسير وخاصة ص 493 - 501 ج 7 منها