الشيخ محمد رشيد رضا

100

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * * * ( وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) المعنى العام لمادة الولاء هو أن يكون بين الشيئين أو الأشياء نوع من الاتصال في الحصول أو العمل بان يفصل بينهما أو بينها ما شأنه أن يفصل من حدث أو جثة أو زمن ، وولي الرجل العمل أو الامر قام به بنفسه ومنه ولاية الاحكام « بكسر الواو » وصاحبها وال وولاية الابة وولاية النصرة « وكلاهما بفتحها » وصاحبهما ولي . ومنه الموالاة في الوضوء وولى وجهه الكعبة - توجه إليها ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) * وولاه الشيء أو العمل أو القضاء - جعله اليه ليقوم به بنفسه فتولاه ، وتولى زيد عمرا نصره وكذلك القوم ( لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) - وأما تولية اللّه الناس بعضهم بعضا فهو جعلهم أولياء وأنصارا بعضهم لبعض اما بمقتضى أمره في شرعه ومقتضى سننه وقدره معا وإما بمقتضى الثاني فقط - فالأول ولاية المؤمنين بعضهم بعضا في الحق والخير والمعروف فقد أمرهم بذلك في شرعه ونهاهم عن ضده وهو مقتضى الايمان الصادق وأثره الذي لا ينفك عنه بحسب تقدير اللّه الذي مضت به سنته في خلقه والثاني ولاية الكفار المجرمين والمنافقين بعضهم بعضا فهو أثر مترتب على الاعتقاد والاخلاق والمنفعة المشتركة بينهم بحسب تقديره وسننه في نظام الحياة البشرية وهو لم يأمرهم بشئ مما يتناصرون به في الباطل والشر والمنكر بل نهاهم عنه ، وقد بينا مرارا أن هذا النظام المعبر عنه بالقدر والتقدير الشامل للحق والباطل والخير والشر هو عبارة عن نفي ما زعمت القدرية من أن اللّه تعالى يخلق كل ما وقع في الكون خلقا أنفا أي مبتدأ منه غير جار على نظام تكون فيه المسببات على قدر الأسباب . والجبر يستلزم نفي القدر أيضا ، فتولية اللّه الناس بعضهم لبعض ليس خلقا مبتدأ من اللّه ، ولا واقعا من الناس بالاجبار والاضطرار ، ولا بالاستقلال المنافي للخضوع للسنن والاقدار وإنما جرت سنة اللّه تعالى في البشر بان يكون لكل عمل من الاعمال النفسية والبدنية التي تصدر منهم تأثير في أنفسهم يصير بالتكرار عادة فخلقا وملكة وأن الافراد والجماعات يميل كل منهم إلى من على شاكلته في ذلك ويتولى بعضهم بعضا في التعاون والتناصر فيما يشتركون فيه على