الشيخ محمد رشيد رضا
91
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( أسباب ترجيح شرب الخمر الضار على حفظ الصحة والعقل والدين ) ثبت بالاختبار وبالاحصاء الذي عني به الإفرنج ان أكثر من يبتلون بشرب الخمر لا يقدمون على شربها الا بإغراء القرناء والمعاشرين من الأهل والأصحاب ، وانهم لا يحتسونها في أول العهد الا كرها ، لبشاعة طعمها ولاعتقاد الكثيرين منهم أنهم يقدمون على عمل منكر أو ضار ، ولكن غريزة التقليد في الانسان وضعف إرادة أكثر الناس عن مخالفة العشراء والخلان ، هما اللذان يمهدان السبيل لطاعة الشيطان . أما الشبهة التي يرجح بها العالمون بضرر الخمرد داعيتي التقليد ومواتاة العشراء أولا - وطاعة غول الخمر آخرا - على داعية المحافظة على صحة الجسم والعقل ، فهي ظنهم ان الضرر المتيقن انما يكون بالاسراف في الشرب ، والانهماك في السكر ، وأن شرب القليل من الخمر إما ان ينفع وإما أن لا يضر ، فلا ينبغي ان يترك ما فيه من لذة النشوة والذهول عن المكدرات ومن مجاملة الاخوان ، لتوهم ضرر نجا منه فلان وفلان ، ولو سأل هؤلاء المخدوعون من سبقهم إلى هذه المحنة واسرفوا في السكر حتى أفسد عليهم صحتهم وعفتهم وبيوتهم وثروتهم : هل كنتم يوم بدأتم بشرب الاثم تنوون الاسراف فيه وادمانه ؟ لأجابهم جميع من سألوهم أو أكثرهم : لا لا ، انما كنا ننوي ان نشرب القليل ، وما كنا لنعلم ان القليل يقسرنا على الكثير ، ويرمينا بعد ذلك بالداء الوبيل . حتى لا نجد إلى الخروج من سبيل . ومن هنا تعلم أن ما ذكرناه من قبل في تعليل شرب بعض المتعلمين والأطباء للخمر من أن العلم لا يستلزم العمل - مبني على التسامح والاخذ بالظاهر ، فالعلم يستلزم العمل ما لم يعارضه ما هو أرجح منه وأما المؤمنون بتحريم الخمر فلهم شبهات متعددة لا شبهة واحدة ، - فمنهم من تعلق بقول من ذهب إلى أن الخمرة المتخذة من عصير العنب هي المحرمة لذاتها وان ما عداها من المسكرات لا يحرم منه الا القدر المسكر بالفعل ، أو الحسوة الأخيرة التي تعقبها نشوة السكر ، وأولوا ما ورد في الأحاديث الصحيحة من النص على تحريم كل مسكر بأن لفظ المسكر وصف لموصوف محذوف وأن المراد ان المقدار المسكر من الشراب بالفعل هو الحرام . وقد بينا رد هذا فيما سبق وان لفظ مسكر في تلك الأحاديث