الشيخ محمد رشيد رضا

87

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر - إلى أن قال - ولكن هؤلاء ضلوا بالخمر وتاهوا بالمسكر ، الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر ، ابتلعتهما الخمر ، تاها من المسكر ، ضلا في الرؤيا » - واعلم أن النبي عندهم لا يشترط فيه ان يكون موحى اليه ، ومن شواهد العهد الجديد في ذلك قول بولس في رسالته إلى أهل افسس ( 5 : 18 ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة ) ونهيه عن مخالطة السكير ( 1 كو 5 : 11 ) وجزمه بأن السكيرين لا يرثون ملكوت السماوات ( غلا 5 : 21 و 1 كو 6 : 9 و 10 ) نبينا « ص » لم يشرب الخمر أما نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يكن يشرب الخمر في الجاهلية ولا الاسلام كما صرحوا به في سيرته . ولكنه كان يشرب النبيذ قبل تحريمها وبعده ، فإذا اشتبه في وصوله إلى حد الاسكار لم يشرب منه كما تقدم . وقد روى الحميدي عن أبي هريرة ان رجلا كان يهدي إلى النبي ( ص ) راوية خمر فأهداها اليه عاما وقد حرمت فقال النبي ( ص ) « انها قد حرمت » فقال الرجل : أفلا أبيعها ؟ فقال « ان الذي حرم شربها حرم بيعها » قال أفلا أكارم بها اليهود ؟ قال « ان الذي حرم شربها حرم ان يكارم بها اليهود » قال فكيف أصنع ؟ قال « شنها على البطحاء » وهذا الحديث لا شربه لها ، على أنه يصح هكذا ، ولكن له أصلا في صحيح مسلم وسنن النسائي من حديث ابن عباس قال « ان رجلا أهدى لرسول اللّه ( ص ) راوية خمر فقال له رسول اللّه ( ص ) « هل علمت أن اللّه تعالى حرمها ؟ » قال لا . فسارّ ( اي الرجل ) انسانا ، فقال له رسول اللّه ( ص ) « بم ساررته » قال : امرته ببيعها فقال « ان الذي حرم شربها حرم بيعها » قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها . ومن العجيب ان صاحب المنتقى أورد حديث أبي هريرة وترك حديث ابن عباس الصحيح ، وأن الشوكاني لم يتكلم على سنده . وما روي في المسند من شربه ( ص ) من نبيذ السقاية بمكة وهو ما يشرب منه الناس في الحرم ومن كونه شمه أولا ( وقيل ذاقه ) فقطّب وأمر بأن يزاد فيه الماء - فهو ان صح لا يدل على كونه كان مسكرا ولا على كون شربه منه كان نسخا لتحريم كل مسكر كما زعم بعض المفتونين بالنبيذ ، إذ لو كان الامر كذلك لكانت الرواية