الشيخ محمد رشيد رضا
79
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أبي نواس : * وداوني بالتي كانت هي الداء * وقول الشاعر : وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها واننا نرى جميع المتعلمين على الطريقة المدنية في هذا العصر وأكثر الناس في البلاد التي تنشر فيها الجرائد والمجلات العلمية يعتقدون ان الخمر شديدة الضرر في الجسم ، والعقل والمال وآداب الاجتماع ولم نر هذا الاعتقاد باعثا على التوبة منها الا للافراد منهم ، حتى أن الأطباء منهم - وهم أعلم الناس بمضارها - كثيرا ما يعاقرونها ويدمنونها ، وإذا عذلوا في ذلك أجابوا بلسان الحال أو لسان المقال بما أجاب به طبيب عذله خطيب على أكله طعاما غليظا كان ينهى عن أكله إذ قال : ان العلم غير العمل فكما أنك أيها الخطيب تسرد على المنبر خطبة طويلة في تحريم الغيبة والخوض في الأعراض ثم يكون جل سمرك في سهرك اغتياب الناس ، كذلك يفعل الطبيب في نهيه عن الشيء لا ينتهي عنه إذا كان يستلذه وقد مضت سنة اللّه تعالى بأن تكون قوة تأثير الدين على أشدها واكملها في نشأته الأولى ، كما يفيده قوله تعالى ( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) ولهذا ترك جمهور المؤمنين الخمر في عصر التنزيل ، ولكن بقي من المدمنين من لم يقو على احتمال آلام الخمار ، وما يعتري الشارب بعد تنبه العصب بنشوة السكر ، من الفتور والخمود الداعي إلى طلب ذلك التنبيه ، فكان أفراد منهم يشربون فيجلدون ويضربون بالجريد وكذا بالنعال ، ثم يعودون راضين بأن يكون هذا الحد الذي يحدونه ، أو التعزير الذي يعزرونه ، مطهرا لهم من الذنب الديني عند اللّه تعالى ، ولا يبالون بعد ذلك ما تحملوا في سبيل الخمر من ايذاء وإهانة وقد كان من هؤلاء المدمنين أبو محجن الثقفي ( رض ) ولما أبلى في وقعة القادسية ما أبلى وكان نصر المسلمين على يده ، وترك سعد بن أبي وقاص ( رض ) إقامة الحد عليه وكان قد اعتقله لسكره ، تاب إلى اللّه تعالى ، وعلل توبته في بعض الروايات بأنه كان يشرب عالما أن العقاب الشرعي يطهره ، وإذ حابوه به - كما ظن -