الشيخ محمد رشيد رضا
73
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المال أو العرض ، والضرر يختلف باختلاف الاشخاص والأوقات والأحوال وقد يتخلف أحيانا ، إذ يكفي في التحريم أن يكون ضارا في الغالب ، فمن عمل عملا من شأنه الضرر في الجسم فربما ينجو من ضرره بقوة مزاجه إذا هو لم يسرف فيه ، ومن عمل عملا من شأنه نقص الدين - وهو غير محرم عليه أو غير عالم بتحريمه - فربما ينجو من سوء تأثيره الذاتي بقوة ايمانه ويقينه وكثرة أعماله الصالحة ، بحيث يكون ذلك الضرر كنقطة من القذر وقعت في البحر أو النهر ، ولكن قوة الايمان ورسوخ الدين بالعمل الصالح ينافي الاقدام على ارتكاب المحرم ، الا ما يكون من اللمم والهفوات التي لا يصر المؤمن عليها . فالجناح العظيم والخطر الكبير من ارتكاب المعصية بعد العلم بتحريمها ليس فيما عساه يصيب مرتكبها من ضررها الذاتي التي حرمت لأجله فقط لان هذا قد يتخلف أو يكون ضعيفا أو مغلوبا ، بل الجناح والخطر الديني في الاقدام على مخالفة أمر اللّه تعالى وترجيح هوى النفس على مقتضى الايمان والاعتقاد . وهذا شيء قد حفظ اللّه منه من كانوا يشربون الخمر من أهل بدر وأحد . بل حفظهم اللّه تعالى من ضرر الخمر الاجتماعي الدنيوي أيضا ، لأنهم لم يسرفوا فيها ولا سيما بعد نزول آية سورة النساء التي لم تبق لهم الا وقتا ضيقا لشربها . والآية تدل على ذلك . ويؤيده ان اللّه تعالى قد ألف بين قلوبهم فكانوا بنعمته اخوانا . بل كان ذلك شأن الصحابة عامة ، كان يكاد الشقاق يقع بينهم كما مر في أسباب نزول الآيات ، ولكن لا يلبث ان يغلبه الايمان ، فيكونوا مصداقا لقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) فالمعصية لا تفسد الروح الا إذا كان فاعلها غير مبال بحرمة الشرع ، ولا يكون تأثيرها الذاتي قويا الا بالاسراف فيها والاصرار عليها وقد سألني بعض الباحثين في علم الاخلاق وفلسفة الاجتماع من المصريين عن السبب في سوء تأثير الزنا في افساد اخلاق فساق المصريين وإذلال أنفسهم وإضعاف بأسهم وعدم تأثيره في اليابانيين مثل هذا التأثير ؟ فأجبته على الفور : إن اليابانيين لا يدينون اللّه بحرمة الزنا كالمصريين ، فمعظم ضرره فيهم بدني وأقله اجتماعي ، ولكن « تفسير المائدة » « 10 » « الجزء السابع »