الشيخ محمد رشيد رضا
70
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بأخذ قليل منه بمقدم الفم . ومن الأول قوله تعالى ( فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ) أي أكلتم ، ومن الثاني ( فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) اي لم يذق طعم مائه . قال الجوهري : الطعم بالفتح ما يؤديه الذوق ، يقال طعمه مر أو حلو وقال : طعم يطعم طعما ( بالضم ) فهو طاعم إذا أكل أو ذاق . - مثل غنم يغنم غنما فهو غانم - فالطعم بالضم مصدر . وأنشد ابن الاعرابي : فأما بنو عامر بالنسار * غداة لقونا فكانوا نعاما نعاما نحطمه صعر الخدو * د لا تطعم الماء الا صياما شبههم بالنعام التي لا ترد الماء ولا تذوقه . وصرح في لسان العرب بأن طعم بمعنى أكل الطعام وانه إذا جعل بمعنى الذوق جاز فيما يؤكل ويشرب . واستشهد المفسرون له بقول الشاعر فان شئت حرمت النساء سواكم * وان شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ بالضم الماء البارد ، والبرد النوم . قال الزمخشري : ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم . ويقال : ما ذقت غماضا . اه قال الآلوسي في تفسيره : وأما استعماله ( أي طعم الماء ) بمعنى شربه واتخذه طعاما فقبيح الا ان يقتضيه المقام ، كما في حديث « زمرم طعام طعم وشفاء سقم » فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه . ولا يخدش هذا ما حكي ان خالدا القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد : أطعموني ماء . فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به ، وحملوه على شدة جزعه وقيل فيه : بل المنابر من خوف ومن وهل * واستطعم الماء لما جد في الهرب وألحن الناس كل الناس قاطبة * وكان يولع بالتشديق في الخطب لان ذلك انما عيب عليه لأنه صدر عن جزع فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى الصحيح ، والا فوقوع مثله في كلامهم مما لا ينبغي ان يشك فيه . اه أقول أما الحديث فرواه ابن أبي شيبة والبزار بسند صحيح وهو على تشبيه مائها بالغذاء فليس مما نحن فيه . وأما كلام خالد فهو لحن الا ان يريد به اذيقوني طعم الماء - مبالغة في طلب القليل منه . ولا يقع مثله في كلام الفصحاء الا بهذا