الشيخ محمد رشيد رضا
670
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فعلم من هذا التحقيق ان تزيين الاعمال للأمم عبارة عن سنة اللّه تعالي في أعمالها وعاداتها وأخلاقها المكسوبة والموروثة وقد بينا في تفسير ( 3 : 13 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) ان ما كان كذلك لا يسند الا إلى اللّه تعالى واضع السنن وكاتب المقادير . وأما تزيين القبيح من عمل واعتقاد فيسند تارة إلى الشيطان وشواهده في هذه السورة ( 6 : 40 و 137 ) وفي الأنفال ( 8 : 49 ) والنحل ( 16 : 63 ) والنمل ( 27 : 24 ) والعنكبوت ( 29 : 38 ) وحم السجدة ( 41 : 25 ) وتارة إلى المفعول وشواهده في هذه السورة ( 6 : 22 ) وفي التوبة ويونس وفاطر والمؤمن والقتال والفتح ، وورد اسناده إلى اللّه تعالى في أول سورة النمل فقط . ويقابله اسناد تزيين الايمان اليه تبارك اسمه في سورة الحجرات فقط . ويجمعهما معا اسناد جميع الاعمال اليه تعالى في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، ونحوه اسناد حب الشهوات إلى المفعول في سورة آل عمران ويراجع تفسيرنا لها « 1 » ولقوله تعالى في أواخر سورة البقرة ( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) « 2 » وفي تفسير الأخيرة كلام حسن للأستاذ الامام في الخير والشر ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ثم يرجع جميع أفراد أولئك الأمم إلى ربهم الذي هو سيدهم ومالك أمرهم بعد أن يموتوا ويبعثوا ، لا إلى غيره ، إذ لا رب غيره ، فينبئهم عقب رجوعهم اليه للحساب والجزاء بما كانوا يعملون مما كان مزينا لهم وغير مزين ، ويجزيهم به ان خيرا فخير ، وان شرا فشر * * * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها أي وأقسم أولئك المشركون المعاندون باللّه أشد أيمانهم تأكيدا ومنتهى جهدهم ووسعهم مبالغة فيها ، لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي اقترحوها أو مطلقا ليؤمنن بها أنها من عند اللّه للدلالة على صدق رسوله ( ص ) فيكون ايمانهم بها ايمانا به ، أو ليؤمنن بما دعاهم اليه بسببها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي قل أيها الرسول انما الآيات عند اللّه تعالى فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها ، يعطيها من يشاء ويمنعها من يشاء بحكمته « وما كان لرسول أن يأتي بآية الا باذن اللّه » ومشيئته ، وكمال الأدب معه تعالى أن يفوض اليه الامر في ذلك . وتقدم تحقيق المسألة في أوائل تفسير السورة
--> ( 1 ) ص 238 تفسير ( 2 ) ( ص ) 146 ج 3 تفسير