الشيخ محمد رشيد رضا

667

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا تضر ولا تنفع ، ولا تقرب ولا تشفع ، وأنها هي وإياهم حصب جهنم ، وتسميتها بالطاغوت وهو مبالغة من الطغيان ، وجعل عبادتها طاعة للشيطان . وقد يجاب عنه بأن هذا لا يسمى سبا ، وان زعموه جدلا ، لان السب الشتم وهو ما يقصد به الإهانة والتعيير ، والغرض من ذكر معبوداتهم بذلك بيان الحقائق ، والتنفير عن الخرافات والمفاسد ، وأجيب على تقدير التسليم بأن سب ما يستحق السب جائز في نفسه ، وانما يحظر إذا أدى إلى مفسدة أكبر منه ، والحال هنا كذلك . وقد صح النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام ، ومثلها التلاوة في المواضع المكروهة . واستنبط العلماء من هذه الآية أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فان ما يؤدي إلى الشرشر ، وفرقوا بين هذا وبين الطاعة في كل مكان فيه معصية لا يمكن دفعها . وهذه المسألة تحتاج إلى بسط وإيضاح فان من الطاعة ما يجب وما لا يجب ، ومن المعاصي والشرور التي تترتب على بعض الطاعات أحيانا ما هو مفسدة راجحة وما ليس كذلك ، ومن كل منهما ما يمكن التفصي من ترتبه على الطاعة وما لا يمكن التفصي منه ، ولكل من ذلك أحكام ، وتعرض له درجات الانكار الثلاث ، « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان » رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة . ومن فروع هذه المسألة ما ذكرناه في العدد الأول من منار السنة الأولى في بحث اصطلاح كتاب العصر ، وهو ان معنى لفظ الكفر في اللغة الستر والتغطية ومنه قيل الليل كافر والبحر كافر ، وأطلق لفظ الكفار في سورة الفح على الزراع وغلب لفظ الكفر في القرآن وعرف الفقهاء والمتكلمين بمعنى المقابل للايمان الصحيح شرعا . ثم غلب في عرف كتاب هذا العصر على الملاحدة المعطلين المنكرين لوجود اللّه عز وجل ، فصار إطلاقه على كل متدين سبا وإهانة ، فيترتب على هذا أن اطلاقه على من يحرم إيذاؤه من أهل الأديان محرم شرعا إذا تأذى به ولا سيما في الخطاب . وذكرنا شاهدا لهذا من فتاوي الحنفية وهو ما في معين الحكام قال : إذا شتم الذمي يعزر لأنه ارتكب معصية . وفيه نقلا عن الغنية : ولو قال للذمي يا كافر يأثم إن شق عليه اه ( ومنها ) ما ذكرته في سياق الكلام في المختلفين في لعن معاوية بن أبي سفيان من