الشيخ محمد رشيد رضا

655

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ) وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق ، من المعاني والحقائق ، ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف . ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكثافة . وهو وان كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم لان الجسمية يلزمها الكثافة ، وانما لطافتها بالإضافة ، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن ادراك البصائر فضلا عن الابصار ، ويعز عن شعور الاسرار فضلا عن الافكار ، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال ، وينزه عن حلول الألوان والاشكال ، فان كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ، ووصف الغير بها لا يكون على الاطلاق ، بل بالقياس إلى ما دونه في اللطافة ، ويوصف بالإضافة اليه بالكثافة ، انتهى . وتعقبه الآلوسي بقوله : والمرجح ان اطلاق اللطيف بمعنى مقابل الكثيف على ما ينساق إلى الذهن على اللّه تعالى ليس يحقيقة أصلا كما لا يخفى اه وأقول إن ما ذكر في هذا الكلام اللطيف من اثبات اللطيف بالذات ، للذات التي لا تشبهها الذوات ، ومن الإشارة إلى تضعيف جعل اللطيف بمعنى العليم بالدقائق ، كلاهما من لباب الحقائق ، إذ ما فسر به اللطيف هنا هو معنى الخبير ، وقوله ان اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم الخ له وجه من اللغة ولكن الجسم في عرف علماء المعقول من المتكلمين والحكماء أعم من الجسم في أصل في اللغة ومدلول اشتقاقها ، فالجسم في اللغة من الجسامة أي الضخامة وهو كما في اللسان وغيره : جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق . وأما في عرف العلماء فهو القابل للقسمة أو ما له طول وعرض وعمق . والموجودات المادية أعم من هذا أيضا . وقد عرف في علوم الكون واتساعها في هذا العصر ما هو ألطف من كل ما كان يعرف في العصور الخالية التي كان يضرب فيها المثل بلطف الهواء أو النسيم ، إذ ثبت ان هذا النسيم اللطيف مركب من عنصرين كل منهما ألطف من المجموع المركب منهما ، وقد ثبت ان للهواء المحيط بأرضنا حدا قريبا ، وأن في الكون موجودا آخر ألطف منه ومن كل من عنصريه وأمثالهما من العناصر البسيطة اللطيفة الخفية هو الذي يحمل النور والحرارة من الشموس والكواكب المتفاوتة الابعاد الشاسعة إلى هوائنا فأرضنا ويسمونه ( الأثير )