الشيخ محمد رشيد رضا

649

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الشيطان فروحية وهو ملاك يمتاز بكل ما تمتاز به هذه الرتبة من الكائنات - إلى أن قال بعد ذكر كونه عدوا للّه مطرودا من وجهه - غير أن طرده إلى عالم الظلمة لا يمنع اشتغاله في الأرض كاله هذا العالم وعدو الانسان وخالقه اه وقد تقدم في تفسير هذه السورة كلام في لملائكة والجن والشياطين مما يؤثر عن العرب في الجاهلية وما ورد في الكتاب والسنة وبعض ما قاله علماؤنا في ذلك والتقريب بينه وبين العلوم النفسية والمادية ، وعندنا أن ما يحفظ من أساطير الأولين والآخرين في ذلك له أصل من الوحي إلى أنبيائهم خلطوا فيه من بعدهم وجعلوا الحقيقة مجازا والمجاز حقيقة على نحو ما حققناه في تحريفهم معنى كلمة اللّه التي عبر بها عن التكوين فجعلوها ذاتا فاعلة خالقة وسماها بعضهم إلها وبعضهم « ابن اللّه » وتحريفهم معنى روح القدس كذلك وكلمة « ابن » المجازية كما بيناه في أواخر تفسير سورة النساء ( ص 82 - 95 ج 3 تفسير ) فلا تتخذ موافقة الوحي لبعض تلك الأساطير شبهة على الوحي وسنزيد مسألة عبادة الجن بيانا في مواضع أخرى ان شاء اللّه تعالى * * * بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا بيان لما قبله من معنى تسبيح الباري وتعاليه عما يصفه به المشركون . البدع بالفتح الانشاء والايجاد المبتدأ والبدع بالكسر والبديع الشيء الذي يكون أولا كما قال في اللسان ومنه البدعة في الدين ويقال بدع الشيء ( من باب قطع ) وأبدعه وابتدعه وقال الراغب : الابداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء ومنه قيل ركية « 1 » بديع أي جديدة الحفر وإذا استعمل في اللّه تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولامكان وليس ذلك إلا للّه . وقال صاحب اللسان : والبديع المحدث العجيب ، والبديع المبدع ، وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال ، والبديع من أسماء اللّه تعالى لابداعه الأشياء واحداثه إياها ، وهو البديع الأول قبل كل شيء ويجوز أن يكون بمعنى مبدع أو يكون من بدع الخلق أي بدأه واللّه تعالى كما قال سبحانه ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق اه وذكر أن بديعا من بدع لا من أبدع ، وهو معروف فان الأصل في صيغة فعيل أن تكون من الثلاثي وقد سمع ورودها من

--> ( 1 ) الركية بوزن القضية البئر غير المطوية أي التي لم تبن