الشيخ محمد رشيد رضا

635

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمراد بالسكون فيه ما يعم سكون الجسم وسكون النفس . أما سكون الجسم فبراحته من تعب العمل بالنهار ، وأما سكون النفس فبهدوء الخواطر والافكار ، والليل زمن السكون لأنه لا يتيسر فيه من الحركة وأنواع الاعمال ما يتيسر في النهار ، لما خص به الأول من الاظلام والثاني من الابصار ، ( 17 : 12 وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) فأكثر الاحياء من إنسان وحيوان تترك العمل والسعي في الليل ، وتأوي إلى مساكنها للراحة التي لا تتم وتكمل الا بالنوم ، الذي تسكن به الجوارح والخواطر ببطلان حركتها الإرادية ، كما تسكن به الأعضاء الرئيسية سكونا نسبيا بقلة حركتها الطبيعية ، فتقل نبضات القلب بوقوفها بين كل نبضتين ، ويقل افراز خلايا الجسم للسوائل والعصارات التي تفرزها ، ويبطئ التنفس وبقل ضغط الدم في الشرايين ولا سيما في أول النوم إذ تكون الحاجة إلى الراحة به على أشدها ، ويضعف الشعور حتى يكاد يكون مفقودا ، فيستريح الجهاز العصبي ، ولا سيما الدماغ والحبل الشوكي ، وتستريح جميع الأعضاء باستراحته ، وتقل الفضلات التي تنحل من البدن وتكثر الدقائق التي تتكون من الدم ليحل محلها . وانما تكثر الفضلات وانحلال الذرات بكثرة العمل ، فالعمل العقلي يجهد الدماغ والعضلي يجهد الأعضاء العاملة فتزداد الحرارة ويكثر الاحتراق بحسب كثرة العمل وتكون الحاجة إلى الراحة بالنوم بقدر ذلك ، وقد علل النوم تعليلات كثيرة ولما يصل العلماء إلى كشف سره ، واستجلاء كنه سببه . وأما الآية الثالثة الكونية في الآية فهي جعل الشمس والقمر حسبانا أي علمي حساب ، لان طلوعهما وغروبهما وما يظهر من تحولاتهما واختلاف مظاهرهما كل ذلك بحساب ، كما قال تعالى ( 55 : 3 الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ) فما هنا بمعنى آية الاسراء ( 17 : 12 ) التي ذكرت آنفا وآية يونس ( 10 : 5 هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) فالحساب بالكسر والحسبان بالضم مصدران لحسب يحسب ( من باب نصر ) وهو استعمال العدد في الأشياء والأوقات . وأما الحسبان بالكسر فهو مصدر حسب ( بوزن علم ) وفضل اللّه تعالى في ذلك عظيم فان حاجة الناس إلى معرفة حساب الأوقات لعباداتهم ومعاملاتهم وتواريخهم لا تخفي