الشيخ محمد رشيد رضا
632
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أوردها الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز بين قوله تعالى ( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ ) وقوله ( وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) فصيغة الفعل في يرزقكم تدل على أنه يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة ، وصيغة الاسم في باسط ذراعيه تفيد البقاء على تلك الحالة . ومثال الثاني قوله تعالى ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) جعل ( فَتُصْبِحُ ) موضع فأصبحت لإفادة استحضار تلك الهيئة الجميلة وتمثلها كأنها حاضرة . مشاهدة وكل من هذين المعنيين للمضارع قيل بأنه مراد بقوله تعالى ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) القائل بالأول هو فخر الدين الرازي والقائل بالآخر هو ابن المنير في الانتصاف على الكشاف . وقال الرازي في تعليل اختلاف التعبير في المعنى : ان العناية بايجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من العناية باخراج الميت من الحي . وقال ابن المنير ان الأول أظهر في القدرة من الثاني وانه أول الحالين والنظر أول ما يبدأ به - فلهذا كان جديرا بالتصور والتأكيد في النفس وبالتقديم إه وذهب الخطيب الإسكافي في ( درة التنزيل ) إلى جعل اختلاف التعبير لفظيا محضا . وملخص كلامه ان مقتضى السياق أن يقال « ومخرج الحي من الميت مخرج أعيت من الحي » لمناسبة ( فالِقُ الْحَبِّ ) قبله و ( فالِقُ الْإِصْباحِ ) بعده ، ولكن لما كان ذلك مستثقلا في النطق بعد كلمة « وَالنَّوى » الذي اجتمع فيها ثلاثة من حروف العلة عدل عن ( وَمُخْرِجُ ) المبدأ بحرف العلة إلى ( يُخْرِجُ ) التي بمعناها ثم عطف عليها ( وَمُخْرِجُ ) لمناسبة اسم الفاعل قبله وبعده إه . والمراد أن « وَالنَّوى » بدئت بالواو المفتوحة وختمت بها فإذا عطف عليها ( وَمُخْرِجُ ) تتكرر الواو المفتوحة تكرارا مستثقلا كما هو ظاهر ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس ( رض ) ان معنى الجملتين يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، ومثله اخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه بحمل الحياة والموت على المعنوي منهما على حد قوله تعالى ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) ولكن هذا التفسير لا يناسب هذا السياق وانما يناسب سياق آيتي آل عمران ( 4 : 27 ) ويونس ( 10 : 31 ) ( فراجع تفسير الأولى في ص 275 ج 3 من التفسير )