الشيخ محمد رشيد رضا

61

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المقامر ليفرّط في حقوق الوالدين والزوج والولد ، حتى يوشك ان يمقته كل أحد . قال الفخر الرازي : وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الاجحاف بأرباب الأموال ، لان من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء انه ربما صار غالبا فيه ، وقد يتفق ان لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ! ! ولا شك انه بعد ذلك يصير فقيرا مسكينا ، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له . اه وأما كون كل من الخمر والميسر يصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة - وهو مفسدتهما الدينية - فهو أظهر من كونهما مثارا للعداوة والبغضاء - وهو مفسدتهما الاجتماعية - لأن كل سكرة من سكرات الخمر ، وكل مرة من لعب القمار ، تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر اللّه الذي هو روح الدين ، وعن الصلاة التي هي عماد الدين ، إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء اللّه وآياته ، ويثني عليه بأسمائه وصفاته ، أو يقيم به الصلاة التي هي ذكر للّه ، وزيادة أعمال تؤدى بنظام لغرض وقصد ، ولو ذكر السكران ربه ، وحاول الصلاة لم تصح له ، والمقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة فلا يبقى له من نفسه بقية يذكر اللّه تعالى بها ، أو يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها ، ولعله لا يوجد عمل من الاعمال يشغل القلب ويصرفه عن كل ما سواه ويحصر همه فيه مثل هذا القمار ، حتى أن المقامر ليقع الحريق في داره ، وتنزل المصائب بأهله وولده ، ويستصرخ ويستغاث فلا يصرخ ولا يغيث ، بل يمضي في لعبه ، ويكل أمر الحريق إلى جند الإطفاء ، وأمر المصابين من الأهل إلى المواسين أو الأطباء ، وما زال الناس يتناقلون النوادر في ذلك عن المقامرين ، من الأولين والمعاصرين على أن المقامر إذا تذكر الصلاة أو ذكره غيره بها ، وترك اللعب لأجل أدائها ، فإنها لا يكاد يؤدي منها الا الحركات البدنية بدون أدنى تدبر أو خشوع ، ولا سيما إذا كان يريد ان يعود إلى اللعب . نعم إنه قد يأتي بأفعال الصلاة تامة فيفضل السّكران بهذا إذ لا يكاد يأتي منه ضبط أفعالها ، ولكن السكران قد يفضله بأعمال القلب والخشوع ولو بغير عقل . فكم من سكران يذكر اللّه تعالى ويذكر ذنوبه حتى سكره ويبكي ويدعو