الشيخ محمد رشيد رضا

626

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الظالمين الشامل لهم ولغيرهم في غمرات الموت وهي سكراته وما يتقدمه من شدائد الآلام البدنية أو النفسية أو مجموعهما التي تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرقي - وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ إليهم بالعذاب يوم البعث أو باسطوها لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب كما قال ( فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ) واختاره ابن جرير . وقد استعمل بسط اليد بمعنى الايذاء المطلق في قوله تعالى ( 5 : 12 إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) فان أكثر الايذاء العملي يكون بمد اليد ، فان أريد ايذاء معين ذكر كقوله تعالى حكاية في قصة ابني آدم ( 5 : 13 لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ) الآية . وقوله ( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) حكاية لقول الملائكة لهم عند بسط أيديهم لتعذيبهم أو لقبض أرواحهم ، ومعناه أخرجوها مما هي فيه أي ان استطعتم - فهو أمر توبيخ وتهكم ، أو أخرجوها من أبدانكم . قال صاحب الكشاف ان هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملحّ يبسط يده إلى من عليه الحق ليعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : اخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم ( أي لا أبرح ) مكاني حتى أنزعه من أحدافك . ووافقه صاحب الكشف في المعنى ولكنه جعل الكلام كناية عن العنف في السياق ، والالحاح والتشديد في الارهاق ، من غير تنفيس ولا امهال . وانه ليس هناك بسط يد ولا قول لسان ، وكل من القولين جائز لغة لا تكلف فيه ، وكان يكون متعينا ، لو كان صدور ما ذكر عن الملائكة متعذرا ، ولو كشف لصاحبي الكشاف والكشف الحجاب عن تمثل الملائكة للبشر بمثل صورهم ، ومخاطبتهم بمثل كلامهم ، لرأيا انهما في مندوحة عن العدول عن الحقيقة إلى التمثيل أو الكناية . وقد تعقب الأول ابن المنير بأن هذه الأمور ممكنة على الحقيقة فلا معدل عنها الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ هذا من قول الملائكة أو تتمته هنا . واليوم في اللغة الزمن المحدود بصفة أو عمل يقع فيه كأيام الأسبوع وأيام العرب المعروفة في تحديد وقائعها وحروبها ، والمراد به يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء ، وقيل إن المراد به وقت الموت بناء على القولين السابقين