الشيخ محمد رشيد رضا
612
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللبس يجيز إرادة كل ما ذكر من معاني القدر هنا . على أن المعنى المختار يتضمن سائر هذه المعاني فمن عرف اللّه حق معرفته وصفه حق وصفه وآمن بقدرته على كل شيء وعظمه حق تعظيمه نطقت الآية بأن منكري الوحي ما عرفوا اللّه تعالى حق معرفته ولا وصفوه بما يجب وصفه به ولا عرفوا كنه فضله على البشر إذ قالوا إنه ما أنزل شيئا مّا على أحد منهم ، فهي دليل على أن ارسال الرسل وأنزل الكتب من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري . فإنها من مقتضى الحكمته ، وأجل آثار الرحمة ، فمن عرفه تعالى بصفات الكمال ، التي هي متعلق أحاسن الافعال ، ومصدر النظام التام ، في عوالم الأرواح والأجسام ، كالحكمة البالغة ، والرحمة السابغة ، والعلم المحيط ، والقيام بالقسط ، ونظر في الآيات البينات في أنفس البشر والآفاق ، فعلم منها انه أحسن كل شئ خلقه ، وأبدع كل شيء صنعه ، وخلق الانسان في أحسن تقويم ، مستعدا للعروج إلى أعلى عليين ، والهبوط إلى أسفل سافلين ، وجعل كماله الذي ترقيه اليه مواهب روحه الملكية ، ونقصه الذي تدسيه فيه مطالب جسده الحيوانية ، أثرا لعلومه وأعماله الكسبية ، التي عليها مدار حياتيه الدنيوية والأخروية . ثم علم من تدبر أحواله في حياته الحاضرة ، ومن درس طباعه وتاريخ أجياله الغابرة ، أنه لم يكد يوجد فرد من أفراده أحاط علما بمصالح شخصه ، فلم يجن على جسده ولا على نفسه ، ولم يوجد جيل من أجياله ، ولا شعب من شعوبه ، ارتقت به علومه الكسبية ، وقوانينه الوضعية ، إلى نيل السعادة المنزلية والقومية ، والكمال الذي يؤمله للسعادة الأبدية » الا من اهتدي بهداية المرسلين ، وهم في كل ملة ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، - من عرف اللّه بما ذكرنا من الصفات ، وعرف البشر بما أجملنا من الأحوال والمميزات ، علم علم اليقين ان ارسال الرسل وانزال الكتب من آثار تلك الصفات التي هي مصادر النظام ومظاهر الكمال ، قد توقف عليه اكمال استعداد البشر للعروج الذي أشرنا اليه ، وتوقي الهبوط الذي ذكرنا به ، فكان ارشاد الوحي سببا لكل ارتقاء انساني ، في ركنى وجوده الجسماني والروحاني ، وقد فتن في هذا العصر خلق كثير بترقى النظام الاجتماعي ، وسعة التمتع الشهواني ، في شعوب كانت قد استفادت كثيرا من هداية الوحي ، ثم نسيت