الشيخ محمد رشيد رضا

4

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فكان أشدهم عليه قريش ، واعداهم له اليهود ، وأقربهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى الا كبشارة عيسى بمحمد ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن ، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل . وكل نبي أدرك قوما فهم أمته ، فالحق عليهم ان يطيعوه ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به ( اي هو الاسلام عينه ) فقال المقوقس : اني قد نظرت في امر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى عن مرغوب فيه ، ولم أجده بالساحر الضال ، ولا الكاهن الكاذب ، ووجدت معه آية النبوة باخراج الخبء ، والاخبار بالنجوى . وسأنظر - الخ ومما يشهد لما ذكرناه أيضا حديث عمرو بن العاص رسول النبي ( ص ) إلى ملك عمان جيفر ابن الجلندي وأخيه عبد ابن الجلندي ، فان عمرا عمد أولا إلى عبد لأنه أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا ، فبلغه دعوة الاسلام ، فقال له عبد : يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك ؟ ( قال عمرو ) قلت : مات ولم يؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووددت انه كان أسلم وصدق به ، وقد كنت انا على مثل رأيه حتى هداني اللّه للاسلام . قال فمتى تبعته ؟ قلت : قريبا . فسألني أين كان إسلامك ؟ قلت : عند النجاشي . وأخبرته ان النجاشي قد اسلم . قال : فكيف صنع قومه بملكه ؟ فقلت ؟ أقروه واتبعوه . قال والأساقفة والرهبان تبعوه ؟ قلت نعم . قال : انظر يا عمرو ما تقول ، انه ليس من خصلة في رجل افضح من الكذب . قلت : ما كذبت وما نستحله في ديننا . ثم قال : ما أرى هرقل علم باسلام النجاشي . قلت : بلى . قال بأي شيء علمت ذلك ؟ قلت : كان النجاشي يخرج له خرجا فلما اسلم وصدق بمحمد ( ص ) قال : لا واللّه لو سألني درهما واحدا ما أعطيته . فبلغ هرقل قوله ؛ فقال له اليناق أخوه : أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ، ويدين بدين غيرك دينا محدثا ؟ قال هرقل : رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به ؟ واللّه لولا الضنّ بملكي لصنعت كما صنع . قال : انظر ما تقول يا عمرو . قلت واللّه صدقتك . قال عبد : فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه ؟ قلت يأمر بطاعة اللّه عز وجل وينهى عن معصيته ، ويأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهى عن الظلم والعدوان ، وعن الزنا وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب . قال : ما أحسن هذا الذي