الشيخ محمد رشيد رضا
592
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المعنى - أي العلم الصحيح والفقه في أمور الدين وشؤون الاصلاح ، وفهم الكتاب الذي تعبده به ، سواء أنزله عليه أم أنزله على غيره . وانما اختص بعضهم باتيائه الحكم صبيا ، كيحيى وعيسى ولعل المراد به ملكة الحكم الصحيح في الأمور . وأما الحكم بمعنى القضاء والفصل في الخصومات فلم يؤته الا بعض الأنبياء ، فإذا كان المشاو اليه بقوله ( أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) من ذكرت أسماؤهم من الأنبياء فيما قبله من الآيات فالأظهر أن المراد بالحكم فيها الفصل في الخصومات والقضاء بين الناس لأنه أخص ويستلزم العلم والفقه - وكذلك النبوة - وتكون هذه العطايا الثلاثة مرتبة على حسب درجات الخصوصية ، فان الثابت والامر الواقع أن بعض أولئك النبيين أوتي الثلاث كإبراهيم وموسى وعيسى وداود ، ومنهم من أوتي الحكم والنبوة كالأنبياء الذين كانوا يحكمون بالتوراة ، ومنهم من لم يؤت الا النبوة فقط . فإذا جعلنا الحكم بمعنى الفهم والعلم كانت الآية غير مبينة لهذه العطية العظيمة ، ومن شواهد القرآن علي استعمال الحكم بمعنى القضاء قوله تعالى ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) وقوله في داود وسليمان معا ( 24 : 79 وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) وقوله في يوسف ( 12 : 22 آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) وأما قوله تعالى حكاية عن موسى 26 : 20 فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) فهو أظهر في هذا المعنى وان تأخر القيام به عن القيام بأمر الرسالة التي تأخر القيام بها عن جعله رسولا ، فان كلا منهما وقع في وقته المناسب له . وتفسير بعضهم للحكم هنا بالنبوة ضعيف للاستغناء عنه بذكر الرسالة . ومثله قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ( 26 : 83 رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ) فإنه دعا هذا الدعاء وهو رسول عليم بعد محاجة قومه ، فلم يبق الا انه طلب الحكم بمعنى الحكومة والسلطة . ومن الشواهد على استعمال الحكم بمعنى العلم وفقه القلب قوله تعالى في يحيى ( 19 : 13 وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) وقوله في شأن التوراة ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا ) وهذه الثلاث مرتبة على حسب خصوصيتها فكل من أوتي الكتاب الحكم والنبوة ، وكل من أوتي الحكم ممن ذكر كان نبيا ، وما كل نبي منهم كان حاكما ولا صاحب كتاب منزل . وهذه مراتب الفضل بينهم ، صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وإذا استعملنا الحكم بمعنييه على مذهب من يجيز ذلك في