الشيخ محمد رشيد رضا

569

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بل سلطانه فيها . والأصل في اختراع كل عبادة لغيره تعالى أمران ( أحدهما ) ان بعض ضعفاء العقول رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه فتوهموا ان ذلك ذاتي لهذا المخلوق ليس خاضعا لسنن اللّه في الأسباب والمسببات لقصر ادراكهم عن الوصول إلى كون القدرة الذاتية خاصة بخالق كل شيء الذي أعطى كل شيء خلقه وما امتاز به على غيره ، وكون خفاء سبب الخصوصية لا يقتضي عدم خضوع صاحبها لسنن الخالق فيها وفي غيرها من شؤونه ( أي شؤون صاحب الخصوصية ) ووثنية هؤلاء هي الوثنية السافلة ( ثانيهما ) اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر ، وسيلة إلى الرب الاله الحق ، تشفع عنده وتقرب اليه كل من توجه إليها ، أو التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يمثلها أو يذكر بها ، فيتوسل ذو الحاجة بدعائها وتعظيمها بالقول أو الفعل لأجل حمله تعالى بتأثيرها عنده ، على قبوله واعطائه سؤله ، وهذا التوسل توجه إلى غير اللّه مبني على اعتقاد عدم انفراد الرب بالاستقلال بقضاء الحاجات ، وكونه يفعل بتأثير الوسيلة في ارادته ، وهذا شرك في العبادة ينافي الحنيفية . وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت العرب عليها في زمن البعثة ، ولذلك كانوا يقولون في طوافهم : لبيك لا شريك لك * الا شريكا هو لك * تملكه وما ملك وكان بعض قوم إبراهيم ( ص ) قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة في الجملة أو أوشكوا ، إذ انهم عقلوا ان الأصنام لا تسمع دعاءهم ولا تبصر عبادتهم ، ولا تقدر على نفعهم ولا ضرهم ، وانما قلدوا بعبادتها آباءهم ، كما يعلم من محاجته ( ص ) لهم في سورة الشعراء ( 26 : 69 ) الخ ولذلك اتخذوها آلهة معبودين ، لا أربابا مدبرين ، ولكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لما لها من التأثير السببي أو الوهمي في الأرض ، وتوسعوا في إسناد التأثير إليها حتى اخترعوا من ذلك ما لا شبهة له ، فكانوا يعتقدون ان الشمس رب النار ونير الأرض والسماء يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والاقدام وينصر جندهم ويخذل عدوهم ويمزقه كل ممزق - ويعتقدون نحو ذلك في زحل واسمه ( بيني ) ويعتقدون ان ( مرداخ ) - وهو المشتري - شيخ الأرباب ورب العدل والاحكام حافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات - وان ( رنكال ) « تفسير القرآن الحكيم » « 72 » « الجزء السابع »