الشيخ محمد رشيد رضا

551

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقال للذي جاء به : لو كنت جئت به من أولاد المهاجرين ! فقال الكاتب ، ما ضر رسول اللّه ( ص ) كفر أبيه . فقال عمر : قد جعلته مثلا ! لا تخط بين يدي بقلم أبدا ( الثانية ) أنه قال لسليمان بن سعد : بلغني أن أبا عاملنا بمكان كذا وكذا زنديق . قال وما يضره ذلك يا أمير المؤمنين قد كان أبو النبي ( ص ) كافرا فما ضره . فغضب عمر غضبا شديدا وقال : ما وجدت له مثلا غير النبي ( ص ) ؟ قال فعزله عن الدواوين ومنه أن الشافعي ( رض ) قال : وقطع رسول اللّه ( ص ) امرأة - أي يدها - لها شرف فكلم فيها فقال « لو سرقت فلانة - لامرأة شريفة - لقطعت يدها » وانما قال « لو سرقت فاطمة » فكنى الشافعي عن فاطمة عليها السّلام ولم يذكر اسمها مبالغة في الأدب . مع أن اسناد السرقة إليها في الحديث مفروض فرضا لا واقع وهو يذكره في سياق الاستنباط من السنة الذي يجوز فيه ما هو أعظم من ذلك . ومن هذا القبيل . ما فعله أبو داود - رحمه اللّه تعالى في حديث تعزية فاطمة عليها السّلام في ميت وقول النبي ( ص ) لها « فلعلك بلغت معهم الكدى » أي المقابر قالت : معاذ اللّه وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر ! فقال لها كما في سنن النسائي « لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك » وأما أبو داود فرواه هكذا : قال « لو بلغت معهم الكدى » فذكر تشديدا عظيما اه وقالوا إنه ترك التصريح بآخر الحديث من باب الأدب . فان قيل أيّ المحدثين خير عملا في هذا الحديث ؟ النسائي الذي رواه بلفظه وعمل بأمر النبي ( ص ) أن يبلغ القول عنه كما سمع كما في حديث عبد اللّه بن مسعود عند أحمد والترمذي وما في معناه من الامر بتبليغ الشاهد الغائب في خطبة حجة الوداع كما في الصحيحين وغيرهما ، أم أبو داود الذي راعى الأدب بحذف ما حذف ؟ فالجواب ان الذي جرى عليه حملة السنة ومبلغوها للأمة من السلف الصالح هو وجوب تبليغ النص بلفظه على من حفظه أو بمعناه إذا وعاه ووثق بقدرته على أدائه ، ولهؤلاء الاعلام أعظم منة في عنق الأمة الاسلامية بنقل السنة إليها كما رووها وضبط متونها ووزن أسانيدها بميزان الجرح والتعديل المستقيم ، والشافعي وأبو داود رحمهما اللّه تعالى من أئمتهم . وانما يحسن مثل ما روي عنهما من الأدب العالي مع بضعة الرسول سيدة النساء عليها السّلام إذا كان لا يضيع به شيء من الحديث كذكره