الشيخ محمد رشيد رضا

544

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أراد هنا ذكر ما ثبت في سبب نزول الآية من أحاديث الزيارة . وما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة فيها ليس فيه ذكر نزول الآية في ذلك . ولكن أين حفظ السيوطي رحمه اللّه تعالى ؟ ألبس أهون ما يدل عليه هذا الانكار أنه لم يكن حافظا للصحاح والسنن حفظا وانما كان يراجع الكتب عند الحاجة وينقل منها نقلا ؟ ومما ذكر السيوطي في التفصي من حديث « ان أبي وأباك في النار » ان المراد بأبيه فيه عمه أبو طالب ! وفي حديث عرض كلمة التوحيد على أبي طالب ما يبطل دعواه ايمان جميع آباء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أن آخر ما قاله أبو طالب إنه على ملة عبد المطلب ، فهو دليل على أن ملة عبد المطلب تنافي كلمة التوحيد التي هي عنوان الاسلام ، ومنه زعمه أن الحديث قد نسخ ولعله نسي قول الأصوليين أن الاخبار لا تنسخ ، ولا نقول إنه جهله فقد قرره في الاتقان تقريرا . وقد تقدم أن اطلاق كلمة الأب على العم مجاز لا يصح في اللغة الا بقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وسياق الحديث يعين المعنى الحقيقي . فإذا جاز أن يكون السائل عن أبيه أراد عمه يجوز أن يكون معنى الحديث « ان عمي وعمك في النار » ولعمري ان من يقول مثل هذه الأقوال لا يرد عليه ولا يصح أن يحكى قوله الا في مقام التعجب أو مقام الاعتبار . على أن بعض العلماء ردوا عليه ومع ذلك اغتر كثيرون بما أورده في نجاة الأبوين ومنه حديث إحيائهما وإيمانهما الذي قال بعض الحفاظ بوضعه وغاية ما قرره هو أنه ضعيف لا موضوع ، وهو معارض بالآيات والأحاديث الصحاح . ومنه أنهما من أهل الفترة وجمهور الأشاعرة على القول بنجاتهم ولكنهم استثنو من ورد النص بأنهم من أهل النار . وأقوى ما قاله هو وغيره وأرجاه ما ورد من الأحاديث في امتحان اللّه تعالى لأهل الفترة يوم القيامة ونجاة بعضهم به هذا إذا لم يصح ما نقلناه عن النووي من جزمه بأن مشركي العرب قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره . وفيه بحث سيأتي في موضعه ان شاء اللّه تعالى وإذا حق نجاة الأبوين الطاهرين بالامتحان ، يكون ما ورد فيهما خاصا بما قبل الامتحان