الشيخ محمد رشيد رضا

540

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رواه عن ابن عباس من طرق قال في بعضها : استغفر له ما كان حيا فلما مات أمسك . وقيل انما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها . وهذا الذي أخرجه الطبري أيضا من طريق عبد الملك ابن أبي سليمان سمعت سعيد بن جبير يقول إن إبراهيم يقول يوم القيامة : رب والدي رب والدي ! فإذا كان الثالثة أخذ بيده فيلتفت اليه وهو ضبعان فيتبرأ منه . . . ( ثم قال الحافظ ) ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا فترك الاستغفار له لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرقة فسأل فيه فلما رآه مسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرأ أبديا . وقيل إن إبراهيم لم يتيقن موته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك ويكون تبرأته منه بعد الحال التي وقعت منه في الحديث اه وفيه التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي وهو كثير في أخبار القيامة ثم نقل الحافظ عن الكرماني ايرادا بمعنى إشكال الإسماعيلي موضحا والجواب عنه من وجهين أحدهما أنه إذا مسخ وألقي في النار لم تبق الصورة التي هي سبب الخزي فهو عمل بالوعد والوعيد معا وثانيهما ان الوعد كان مشروطا بالايمان وانما استغفر له وفاء بما وعده فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه . وأقول إن ما في الحديث من أن اللّه تعالى وعد إبراهيم صلّى اللّه تعالى عليه وآله وسلم بأن لا يخزيه يوم القيامة يشير إلى دعائه الذي حكاه اللّه تعالى عنه في سورة الشعراء ومنه ( 36 : 86 وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ 87 وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ 88 يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ 89 إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وأما وعد اللّه تعالى إياه بذلك فلا نعرفه الا من الحديث فهو يدل على أن اللّه تعالى أوحى اليه بأنه استجاب له هذا الدعاء بشرطه المعلوم من الدين بالضرورة وهو أن اللّه تعالى لا يغفر لمن يشرك به . وتأمل قوله تعالى في خاتمة الدعاء ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) فهو من دقائق الرقائق وأما استدلال الآلوسي تبعا لغيره بحديث « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » على إيمان آباء النبي صلّى اللّه تعالى عليه وآله وسلّم من عبد اللّه ( أولهم ) - إلى آدم عليه السّلام فهو معارضة لظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة