الشيخ محمد رشيد رضا

529

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما يزعمون أنه هدى كما هو شأن كل داع إلى ضلالة ، فكلمة الهدى ذكرت بطريق الحكاية ، أو المراد بها الطريق الجادة ، وقد روى أبو الشيخ عن مجاهد قال : في قراءة ابن مسعود ( يدعونه إلى الهدى بينا ) قال الهدى الطريق انه بين . والكلام بعدها رد من اللّه تعالى لهذا الزعم ، ومعناه ان الهدى صراط اللّه المستقيم لا ما هم عليه من طرق الوهم . وأنكر ابن جرير هذه الرواية ، بناء على أن الجملة لم ترد على سبيل الحكاية ، وانما هي من كلام اللّه تعالى ، واللّه تعالى لا يسمى الضلالة هدى ، وسواء أصح ما أنكره ابن جرير أم لا ، فان المعنى الثاني لا يتوقف عليه ، بل يصح ان يقال إن ذلك الذي استهوته الشياطين بوسوستها - حال كونه حيران - له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخروج من ذلك الضلال ، تتنازعه وسوسة شياطينه ، ودعوة أصحابه ، فلا يستطيع التفلت من الأولى فيكون من المهتدين ، ولا البت برد الأخرى فيكون من الأخسرين ، بل يظل هائما في حيرته ، مضطربا في أمره ، وانما جعل دعاة الهدى أصحابا له ، باعتبار ما كانوا عليه قبل إضلال الشياطين له ، ومثل هذا لا يستقر على حال من القلق . والتشبيه يدل بهذا التوجيه على أن المرتد عن الاسلام لا يمكن ان يعود مطمئنا بالشرك ، ووجه الاستفهام الانكاري في أول الآية على هذا الوجه : أيعقل أن يختار هذه الحال السوءى التي لا بد منها لمن يرتد عن الايمان ، وهي أسوأ حال يمكن ان يكون عليها الانسان ؟ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أعاد الامر من القول هنا كما أعاده فيما تقدم قريبا بمعنى ما هنا من التبرؤ من الشرك والضلالة ، والاعتصام بما أنزل اللّه من الهداية ، وهو قوله ( 56 قُلْ إِنِّي نُهِيتُ - إلى قوله - قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ) الخ وفي ذلك ما فيه من العناية بكل من البراءة والاعتصام في النهي والامر ، ويعبرون عنهما بالتخلي والتجلي أي قل ان هدى اللّه الذي أنزل به آياته ، وأقام عليه حججه وبيناته ، هو الهدى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لا ما تدعون اليه من أهوائكم ، اتباعا لما ألفيتم عليه آباءكم ، وهذا الهدى المعقول هو الذي دعينا اليه فأحبنا ، وأمرنا به فأطعنا ، وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فأسلمنا ، واللام في « لنسلم » « تفسير القرآن الحكيم » « 67 » « الجزء السابع »