الشيخ محمد رشيد رضا
527
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يؤثر عن أهل الكتاب وغيرهم من العالم الروحي الغيبي الذي يوسوس للناس فيزين لهم الشر ، ويلابس بعضهم أحيانا فيصابون بالصرع أو الجنون ويتمثل للكهان وغيرهم ، ويراه الأنبياء وبعض الصالحين من باب الكرامة الخاصة . والا كاذيب عن جميع الأمم في ذلك كثيرة ، والشبهات فيها غير قليلة ، ولكن قلّ المصدقون بها في بلاد العلم والمدنية . بعد هذا الشرح نقول إن للمفسرين قولين في تفسير ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ) أشرنا اليهما في تفسير الاستهواء ( الأول ) أنه تشبيه لمن يرتد مشركا بعد الايمان بالمستهام الذي يضل في الفلوات حيران لا يهتدى تاركا رفاقه على الجادة ينادونه : ائتنا عد إلينا ، فلا يستجيب لهم لانجذابه وراء ما تراءى له من الغيلان بغير عقل ولا بصيرة . وهذا التفسير مروى عن السدى وهو احدى روايتين عن ابن عباس . قال السدى بعد بيان التشبيه : فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد ، ومحمد الذي يدعوا إلى الطريق والطريق هو الاسلام . ومما جاء عن ابن عباس في هذه الرواية ان القول « تدعوه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في هلكة وربما أكلته ، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا » ومن المفسرين من يرى أن هذا التشبيه مثبت للغول الذي نفاه الحديث الصحيح الذي أخذ به جمهور العلماء كما تقدم ، ومنهم من يرى أنه لا يقتضي إثباته لان التشبيه قد يبنى على المتعارف لأجل التأثير ، وقد أشار الزمخشري إلى ذلك بقوله : وهذا مبني على ما كانت تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن تستهوى الانسان والغيلان تستولي عليه كقوله ( ك الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) اه وقد شنع عليه ابن المنير في هذا إذ جعله من إنكار الجن - وهو لا ينكرهم - وتبعه الآلوسي فقال : وليس هذا مبنيا على زعمات العرب كما زعم من استهوته الشياطين اه وما هذا التشنيع الا من تعصب المذاهب ، ولولاه لما وقع أمثال هؤلاء الأذكياء في هذه الغياهب ، وقد علمت أنه لا دليل على كون ما كانت تزعمه العرب في الجاهلية من شياطين الجن ، وأن النبي ( ص ) كذبهم في دعوى الغول ، وان جمهور العلماء أخذوا بهذا التكذيب ولم يؤولوه ، وأن من أوله بانكار تغول الغيلان واضلالهم للناس مكذب للعرب في زعمها ذاك ، وإنما بني التشبيه على ما قيل من استهوائهم واضلالهم بتغولهم ، لا على