الشيخ محمد رشيد رضا
518
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى الخطاب في قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا تقدم تفسير اللعب واللهو ونكتة تقديم أحدهما على الآخر في تفسير الآية 32 ( راجع ص 362 - 368 ج 7 ) والمعنى هنا : ودع أيها الرسول - ومثله فيه من تبعه من المؤمنين - الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا من هؤلاء المشركين وهم المقصودون أولا وبالذات ، ومثلهم كل من يعمل على شاكلتهم من المؤمنين وأهل الكتاب ، وغرتهم الحياة الدنيا الفانية ، فآثروها على الحياة الآخرة الباقية ، بل أنكرها المشركون ، ولم يستعد لها الفاسقون . أما اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا ففيه وجوه : المتبادر منها أن أعمال دينهم التي يعملونها لما لم تكن مزكية للأنفس ولا مهذبة للأخلاق ، ولا واقعة على الوجه الذي يرضي الرحمن ، ويعد المرء للقائه في دار الكرامة والرضوان ، ولا مصلحة لشؤون الاجتماع والعمران ، كانت اما صرفا للوقت فيما لا فائدة فيه وهو معنى اللعب ، واما شاغلة عن بعض الهموم والشؤون وهو اللهو . ويظهر في أعمال الدين الاجتماعية كالمواسم والأعياد ، وقد روي القول به عن ابن عباس ، قال : جعل اللّه لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر اللّه تعالى ، ثم إن الناس أكثرهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه اللّه تعالى اه وهو يريد أن هذا مما تدل عليه الآية لا أنه كل المراد منها ، وهذا أحد وجوه خمسة ذكرها الرازي في الآية وجعله الرابع وأما الوجوه الأخرى ( فأولهم ) أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا اليه - وهو دين الاسلام - لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزؤا به ( الثاني ) اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام دينا لهم ( الثالث ) ان الكفار كانوا يحكمون في دين اللّه بمجرد التشهي والتمني مثل تحريم السوائب والبحائر ، وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر اللّه عن ذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ( الخامس ) قال - وهو الأقرب - ان المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه أقام الدليل على أنه حق وصدق وصواب ، فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال