الشيخ محمد رشيد رضا

516

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحقوق تسقط به ، ويستدل الأصوليون والفقهاء على هذه المسألة بحديث « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » وقد اشتهر الحديث بهذا اللفظ في كتبهم وفيه مقال للمحدثين معروف ، أنكره الإمام أحمد رواية ودراية فقال لا يصح ولا يثبت اسناده ، وقال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب اللّه وسنة رسوله ( ص ) فان اللّه أوجب في قتل النفس في الخطأ الكفارة . وقد يجاب عن هذا بما ذكرناه آنفا من أن رفع النسيان عبارة عن رفع الاثم لا رفع الحقوق ، فمن نسي الصلاة أعادها ، وحقوق العباد أولى بأن لا تسقط بنسيان ولا خطا . وأما اسناده فقد رواه ابن ماجة في باب طلاق المكره والناسي من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ « ان اللّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » قال في الزوائد اسناده صحيح ان سلم من الانقطاع ولكن رجح أنه منقطع ، وقال الديبع في الأحاديث المشتهرة : وقد رواه ابن ماجة وابن أبي عاصم بلفظ « ان اللّه وضع عن هذه الأمة ثلاثا الخطأ والنسيان والامر يكرهون عليه » ورواته ثقات وكذا صححه ابن حبان . * * * وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي وما على الذين يتقون اللّه من حساب الخائضين في آياته شيء ما فلا يحاسبون على شيء من خوضهم ولا على غيره من أعمالهم التي يحاسبهم اللّه تعالى عليها إذا هم تجنبوهم وأعرضوا عنهم كما أمروا ، وقد روي هذا المعنى عن سعيد بن جبير قال : ما عليك أن يخوضوا في آيات اللّه إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم ، وقيل هو رخصة ومعناه ما عليهم من حسابهم من شيء ان قعدوا معهم ، وأنه منسوخ بآية سورة النساء إذ قال فيها ( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) وروي عن مجاهدوا السدي وابن جريج ، وهو بعيد جدا لأنه لا يصح أن يتصل بالنهى ما يبطله وهو قد نزل معه كما هنا . قال الآلوسي : وفي الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ إنه لا نسخ عند أهل التحقيق في ذلك لان قوله سبحانه « وَما عَلَى الَّذِينَ » الخ خبر ولا نسخ في الاخبار فافهم اه وقد يقال إن الجملة انشائية المعنى فهي حكم شرعي معناه عدم مؤاخذة أحد بذنب غيره لا خبر من الاخبار التي قالوا إنها لا تنسخ ، والعمدة في رد القول بنسخها ما ذكر آنفا فتعين تقدير الشرط الذي ذكره سعيد بن جبير ، أو أن يقال في التقدير : وما على الذين يتقون اللّه من حساب الخائضين من شيء